In Cold Blood بدمٍ بارد

In Cold Blood, by Truman Capote
ترومان كابوتي : بدم بارد
(قصّة حقيقيّة عن جريمة قتل عَديدة الضحايا وعواقبها)
ترجمة: راتب شعبو

تحرير أحمد العلي
(يصدر عن مجموعة كلمات للنشر بالشارقة)

in coldb lood

صحيفة الإتحاد الإماراتية
تاريخ النشر: الخميس 23 مارس 2017

تقديم:

رواية «بدم بارد» جعلت ترومان كابوتي أشهر كاتب في أمريكا فور صدورها عام 1966. لكنه لم يستطع أن ينهي كتابة رواية أخرى بعدها لتأثيرها الساحق عليه حتى دمّرت حياته تمامًا فتوفي عام 1984 جرّاء مضاعفات إدمانه على الكحول. كان الاقتباس الذي اختاره ليفتتح به روايته الأخيرة غير المُنجزة، من أقوال القدّيسة تيريزا، هو:

«More tears are shed over answered prayers than unanswered ones»

قضى كابوتي ست سنوات في كتابة «بدم بارد» التي تُعتبر إحدى إرهاصات الحركة الصحافية الجديدة وقتها في نيويورك من خلال “معالجة حدث حقيقي بتكنيك روائي.” وهي تُعتبر اليوم ثاني أكثر روايات الجريمة مبيعًا في تاريخ نشر الكتب في العالم. حوّلت الرواية إلى فيلم، بيد أن قصّة كتابة كابوتي للرواية من الأساس، والتي استقصاها وكتبها غيرالد كلارك، حُوّلت إلى فيلم بعنوان Capote حيث لعب فيه الممثّل فيليب سيمور هوفمان دور كابوتي، وفاز عن دوره هذا بجائزة الأوسكار عام 2005.

خلال الخامس عشر من نوفمبر 1959، في قرية صغيرة تُدعى هولكومب، قُتل أربعة أشخاص من عائلة واحدة بوحشيّة غير مسبوقة، حيث أُطلق عليهم الرصاص على بُعد سنتيمترات قليلة من وجوههم. ولم يجد المحققون أيّ دافع واضح للمذبحة، ولا أدلّة.

إن كابوتي، بمحاولته أن يُعيد بناء أحداث الجريمة والتحقيقات التي قادت إلى القبض على المتّهمين، وجلسات محاكمتهم، وإنزال العقوبة بحقّهم، يبعث في القارئ تعلُّقًا سحريًّا بالأحداث وتعاطفًا قويًّا مع الضحايا والمجرمين على حدّ سواء. «بدم بارد» رواية تتجاوز سنوات كتابتها وأحداثها لتصرخ برؤى ومفاهيم عميقة حول طبيعة العنف والشرّ وجدوى الحياة ومآلاتها.

مقتطف:

تقع قريّة “هولكومب” على سهول القمح العالية في غرب كانساس، في منطقة معزولة إلى حدّ أنّهم في بقيّة كانساس يسمونها “هناك”. للرِّيف، على بُعد حوالي سبعين ميلاً من حدود “كولورادو”، بسمائه الزرقاء الصّلبة وهوائه الصحراويّ النقيّ، جوٌّ أقرب إلى أقصى الغرب منه إلى الغرب الأوسط. اللهجة المحليّة مَشوبة بلحن برّي؛ خنّة المزارعين المأجورين، حيث يرتدي الكثير من الرجال سراويل ضيّقة الأطراف، وقبّعات “ستيتسون”، وأحذية عالية الكعب ذات رأس مدبّب. الأرض منبسطة، والمشاهد كثيفة إلى حدّ فظيع؛ خيول، وقطعان من الماشية، ورهط من مزارعي القمح البيض ينتصبون برشاقة كالمعابد الإغريقيّة، ويبدون للمتجوّل من بعيد قبل أن يصل إليهم!

هولكومب يمكن أن تُرى، هي الأخرى، من مسافات بعيدة. ليس لأن فيها الكثير ممّا يُرى؛ فهي مجرّد تجمّع سائب من الأبنية التي يقسمها في الوسط مسارات الخطّ الرئيسي للسكّة الحديديّة “سانتا في”. إنها قرية عشوائيّة يحدّها من الجنوب امتدادٌ داكن من نهر أركانساس (يُلفظ أر– كان– ساس)، ومن الشمال طريق سريع، الطريق 50، ومن الشّرق والغرب تحيط بها البراري وحقول القمح. بعد المطر، أو مع ذوبان الثلوج، تتحوّل الشوارع غير المظلّلة وغير المعبّدة التي دون أسماء، من تراب سميك إلى وَحْل فظيع. في أحد أطراف البلدة ينتصب بناء قديم من الجصّ واضح الحدود، على سطحه لافتة كهربائية مكتوب عليها: مرقص. ولكن الرّقص توقّف واللافتة مُعتمة منذ سنوات عديدة. تجد في الجوار مبنى آخر يحمل لافتة لا علاقة لها بالرّقص، حيث تقرأ كلمتين بلون ذهبيّ تقشّر بفعل الزّمن، على لوح زجاجيّ متّسخ: مصرف هولكومب. أغلق المصرف في 1933، وتحوّل إلى شقق للسّكن. وهذه هي “الشّقق السكنيّة” الثانية الموجودة في البلدة؛ أمّا الأولى فهي المبنى المتهالك المعروف باسم “سكن المعلّمين”، حيث يسكن قسم كبير من معلّمي مدرسة البلدة. أما بقيّة مساكن هولكومب فإنها بيوت من طابق واحد بشرفات أماميّة.

إلى جوار المحطّة، تُدير مكتب البريد المتهالك امرأةٌ نحيلة تلبس جاكيت من جلد البقر مع سروال “دينيم” وحذاء كاوبوي. المحطّة نفسها، بدهانها الأصفر المتقشّر، لا تقلّ كآبة. يمرّ بها المدير والمدير الأعلى والكابتن كلّ يوم، لكن هذه القطارات التي هي محطّ ترحيب، لا تتوقف هناك أبدًا! لا يتوقف أيّ من قطارات الركّاب. فقط، من حين إلى آخر، يتوقّف قطار شحن بضائع. وعلى الطريق الرئيسي توجد محطتا وقود. إحداهما تعمل أيضًا كدكّان بقالة فقير الحال، والأخرى تقوم بوظيفة إضافيّة كمقهى؛ “مقهى هارتمان” حيث تقدّم صاحبة المحلّ السيّدة هارتمان السّاندويتشَ والقهوة والمشروبات الغازيّة، وبيرة شبه خالية من الكحول (هولكومب “ناشفة” كبقيّة كانساس).

في الحقيقة، هذا هو كلّ شيء. إلّا إذا أضفنا، كما ينبغي، مدرسة هولكومب؛ البناء الحسن المظهر، الذي يكشف أن هناك حالة مغايرة يُخفيها مظهر القرية: فالآباء الذين يُرسلون أبناءهم إلى هذه المدرسة الحديثة ذات الكادر التعليميّ الكفؤ والمتكاملة –تبدأ من الروضة إلى الصفوف العليا، مع أسطول من الباصات لنقل الطلّاب البالغ عددهم حوالي ثلاثمئة وستين، من مسافة ستة عشر ميلًا– هم عمومًا من الميسورين. فغالبيّتهم من أصحاب مزارع تربية الماشية، وهؤلاء الناس البريّون ينتمون إلى مختلف الجنسيّات –ألمانيّة، وإيرلندية، ونرويجية، ومكسيكية، ويابانيّة– يربّون المواشي والأغنام، ويزرعون القمح والميلو والعشب والشوندر. الزراعة من الأعمال المحفوفة بالمخاطر، غير أنّ المزارعين في غرب كانساس يعتبرون أنفسهم “مقامرون بالولادة”، فعليهم أن يرضوا بنسبة متدنيّة جدًّا من الأمطار (المعدل السنويّ هو 18 إنش) مع مشاكل منغّصة في الريّ. وقد أحسن صُنعًا مزارعو مقاطعة فيني، التي تُعتبر هولكومب جزءًا منها. ذلك أنّهم يكسبون النقود ليس فقط من الزراعة بل أيضًا من استغلال منابع الغاز الطبيعيّ الوافرة، وقد انعكست هذه الحيازة في المدرسة الجديدة، وفي الأثاث الوثير داخل بيوت المزارعين، وفي ثراء مزارعي الحبوب.

لم يكن سوى القليل من الأمريكيّين، أو القليل من الكانساسيّين في الحقيقة، قد سمع بقرية هولكمب قبل صباح ذاك اليوم من أواسط نوفمبر/تشرين الثاني 1959. فكما أن مياه النهر لا تتوقف عند هولكمب أثناء جريانها، ولا تتوقّف أيضًا السيّارات العابرة على طريقها السّريع، ولا القطَارات الصّفراء على سككْ حديد سانتا في، كذلك لم تعرف أيّ أحداث دراميّة تُلفت النظر، فمثلها لم تتوقّف قط في هولكومب. كان سكّان القرية الذين يبلغ عددهم مئتين وسبعين مقتنعين بأن هذا ما يجب أن تكون عليه أوقاتهم، راضين تمامًا أن يعيشوا مغمورين بالحياة العادية: عمل وصيْد ومشاهدة تلفزيون، وحضور الاجتماعات المدرسيّة، والغناء في الكورال، واللقاءات في نادي “فور- إتش”. ولكن في الساعات الأولى من ذلك الصّباح في نوفمبر، صباح يوم أحد، اخترقت بعض الأصوات الغريبة الضجيج الليليّ المعتاد في هولكومب – العويل الهستيريّ للذئاب، وخشخشة الأشواك الجافّة، ونحيب القطارات السّريعة المبتعدة. لكن لم يسمع أحد في هولكومب النائمة تلك الأصوات الغريبة في حينها؛ أربع رصاصات أنهت حياة ستة أشخاص. أهل القرية الذين كانوا حتى ذلك التاريخ مطمئنين بعضهم إلى بعض، فلا يجد أحدهم حاجة لإقفال بيته، وجدوا أنفسهم بعد ذلك أمام حدث خياليّ خلْخلَ كيانهم وأعاد صياغتهم من جديد.. تلك الانفجارات الغامضة أوقدت نيران الشك في قلوب القرويّين حتى بات الجيران ينظرون إلى جيرانهم بطريقة غريبة رغم عمر الجيرة الطويل! بات ينظر بعضهم إلى بعض كغرباء.

*

كان “هيربرت وليام كلاتر” سيّد مزرعة “ريفر فالي” رجلًا في الثامنة والأربعين من العمر. وبحسب نتيجة فحص طبيّ حديث أجراه من أجل وثيقة تأمين، تبيّن أنّه في صحّة تامّة. ورغم أنه يرتدي نظّارات دون إطار، وله قامة متوسّطة فلا يزيد طوله عن خمسة أقدام وعشرة إنشات، فإنّ السيّد كلاتر يعطي الانطباع بالرجولة. كتفاه عريضان، وشعره داكن لا يزال، وفكّه مربّع. يحتفظ وجهه الدال على الثقة بلون الشباب، ولا تزال أسنانه البيضاء القويّة بما يكفي لتكسير الجوز، كاملة. كان يزن 154 باوند، وهو وزنه حين تخرّج من جامعة ولاية كانساس، متخصّصًا في مجال الزراعة. لم يكن بمستوى ثراء أغنى رجل في هولكومب: “السيّد تايلر جونس” صاحب مزرعة مجاورة. لكنه كان الشّخص الأشهر في مجتمعه. فقد كان معروفًا هناك وفي “غاردن سيتي”، مقرّ المقاطعة المجاورة، حيث ترأّس لجنة إشادة الكنيسة الميثودية الأولى التي اكتمل بناؤها مؤخّرًا؛ المبنى الضخم الذي كلّف ثمانمئة ألف دولار. وكان في غضون ذلك رئيس مؤتمر كانساس للمنظّمات الزراعيّة، ويلقى اسمه الاحترام في كلّ مكان بين مزارعي الغرب الأوسط، كما في بعض مكاتب واشنطن، فقد كان أحد أعضاء المجلس الفيدرالي للائتمان الزراعي خلال إدارة الرّئيس الأمريكي آيزنهاور.

حصل كلاتر، الذي كان متيقّنًا دائمًا ممّا يريد من العالم، على ما أراد إلى حدّ كبير. كان يضع في يده اليُسرى، فيما تبقّى من إصبع بترته آلة زراعيّة، خاتمًا ذهبيًّا بسيطًا. كان رمز زواجه الذي بلغ عمره ربع قرن من المرأة التي أراد الاقتران بها؛ أخت زميله في الجامعة. وهي فتاة خجولة، وَرِعة ومُرهفة اسمها “بوني فوكس”، تصغره بثلاثة أعوام. وقد أنجبت منه أربعة أولاد: ثلاث بنات ثم صبيّ. البنت الكبرى، “إيفانا”، متزوّجة وأمّ لصبيّ بعمر عشرة أشهر، تعيش في شمال “إلينوي” لكنها تزور هولكومب بشكل متكرّر. كان من المتوقّع، في الحقيقة، أنْ تأتي مع عائلتها في غضون أسبوعين إلى القرية، لأن أبويها كانا يخطّطان، بمناسبة عيد الشكر، لعقد لقاء واسع لعائلة كلاتر (التي هي من أصول ألمانيّة، وقد وصل أوّل مهاجر منها إلى أمريكا في 1880). وُجّهت الدعوات إلى حوالي خمسين فردًا من العائلة. سوف يأتي العديد منهم من مناطق بعيدة مثل “بالاتكا” في “فلوريدا”. كما لم تسكن “بفرلي”، البنت الثانية في العمر بعد إيفانا، مدّة أطول في مزرعة ريفر فالي، فقد ذهبت إلى “كانساس سيتي” في كانساس نفسها لدراسة التمريض. وكانت مخطوبة لطالب بايولوجيا شعرَ والدها بالحماس له. وكانت الدعوات لحفل الزفاف، المقرّر في أسبوع عيد الميلاد، قد طُبعت سلفًا. بقي في البيت من الأولاد، الصّبي “كينيون”، في الخامسة عشرة من العمر، وهو أطول من أبيه، وأخته التي تكبره بعام، مدلّلة البلدة، “نانسي”.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=17244&y=2017&article=full

Advertisements