أوتيل كاليفورنيا

أوتيل كاليفورنيا

صحيفة الإتحاد الإماراتية

تاريخ النشر: الخميس 02 مارس 2017

51351-3

“You can check-out any time you like, but you can never leave”

(1)

فضاء للنوم المجرّد من أحماله

وفراغ ليس لك

تُحرّر القلب فيه

تشعل بارود الماضي

دون أن يقتفيك أحد.

حتى نباح الكلاب في الخارج

لا عطش فيه، لا ليل، لا معنى

ما إن يتمطّى الصباح

حتى تترك هذا المكان كما جئته.

البقاء للنُزل

لجرس الاستقبال الخفيف

لفوطة الخدمة مطويّة على ساعد القرسون،

كلنا راحلون.

(2)

لا يزال النعاس يوصد أبواب الفندق،

وفي زاوية من البهو ينام هذا البيانو الوحيد:

يماها

طلاء أسود

وغبرة خفيفة كجناح مكسور.

كبير الخدم يروح ويغدو بين طاولات الطعام

وزوج من النزلاء يفردان بين الكروسان والقهوة

خرائط المدينة.

رفعتُ غطاء المفاتيح كأنني أتلصّص على غرفة والديّ

ونقرتُ من الآلة مفتاحًا

فانتصبت نباتات البهو

والتفت الطاعمان نحوي.

جفلت:

من أين طلعت الشمس؟

هل نهرتني أمي

من وراء سبعة بحار؟

(3)

غرفتي في الطابق الأول

المسافة إلى هنا هيّنة:

سيقان من النّبت تعرّش على النافذة،

حامل الحقائب جاء بها سريعًا

كأنه لم يحملها بيديه،

وعلى رخام البهو

ترنّ أقدام النزلاء مثل ساعات أبديّة.

حتى النهار، في الطابق الأول، أقصر ممّا في الحكايا..

لا يكفي لمغامرة أو شوط لعب

إنه خاطف وأقرب إلى الأرض

كالطفولة.

(4)

أعرف هذا السّقف

جئت هنا قَبلاً.

كنت أنتصب تحت قبّته وأتكلّم

ثم، بعد قليل، يرتدّ كلامي نحوي

هابطًا كالوحي

لكن لا يهبط منه الآن سوى قشور الطلاء..

أتكلّم، ولا أعرف صوتي.

لا حِسّ يجيء من الردهات والغرف

صمت كثير

كأن عدسة الزمان تُصوّر المشهد:

قبّة كالذّاكرة، كالكلام المنسيّ،

وأنتِ عمري يا بقايا الطلاء،

عمري.

(5)

أجيء إلى حانة الفندق

لأدوخ برائحة السفر

نافرةً من خُطى عَجِلة

من لفتات كجمر سُكب عليه الماء توًّا

من حقائب شُدّت إلى السواعد بحرص.

سيقان الكؤوس لمّعها السهر

وفي مرآة بطول العمود

أنظر إلى حياتي:

التذاكر محشورة في الجيب

والرحلة أقلعت منذ الولادة.

(6)

بارد عطر النزيلة الجالسة إلى جواري

باردة ساقها (تنتعل حذاء LV)

وحتى اسمها بارد: تيفاني (لفظَته بكلمات معصوبة).

ما الذي تريده مني؟

لا يبدو أنها على سفر

تحسو على مهلها الشامبين

كأنّه ماء الندم.

يعبُرني إحساس بالوحشة

تعبرني قرية بعيدة لا أعرف لغتها

وفي مشهد درامي بطيء

دلفتُ أحد بيوتها الواطئة:

رأيت أُمًّا تسعل، وفوق تلفازها المكعّب

صورة تيفاني.

قرطاها غرابان

وألوان القناني لا تنعكس على بياضها

كأنها مرآة تشتاق إلى مكان آخر.

هل اسمها حقًّا تيفاني؟

(7)

يفشل جيراني في ليلة حُبّهم،

حتى أن ماء يأسهم بلّل أقدامي.

هل ارتخى حديد الذكورة؟

هل ماتت وردة الماء الدافئة؟

ضحكة مارلين تُصدّع الجدران

وجَريحُ عمره يهمهم:

بُذِرَ الموت فيّ،

أهكذا يبتدئ الأمر؟

جسدٌ لا يُبحَث عنه، لا يُشتهى،

لا تدهنه العيون

ولا تعرّيه حتى لحظةُ خيال؟

(8)

نجوم كالمُقَل الضريرة

لا تراني إلا غبشا،

لا تضيء لدربي شاخصة ملهى

أو باب صديق.

أويتُ إلى غرفتي، ورحت أجرُد ما يمكنني التسلّي به:

بارٌ صغير مغلق (يُفتح عند الطلب)

إبريق كهربائي

أكياس ورقية (كبتشينو، ديكاف، سكر أبيض، سكر بني، شاي أحمر، شاي أخضر)

حليب خاثر (في علب صغيرة)

علبتا ماء (مجانية)

كأسان وكوب

طبق فاكهة (لا آكل الموز)

طاولة منخفضة (تحمل طبق الفاكهة)

كنبة وثيرة (صفراء، إلى الطاولة المنخفضة)

صوفا مكعّبة في الزاوية

مصباح قراءة كهربائي

مكتب للعمل (يحمل مصباح القراءة)

مقعد جلدي دوّار (إلى مكتب العمل)

مقبس كهربائي هجين (لا يصلح لشيء)

شاشة مسطحة

مشغل أقراص ڤيديو

دولاب منخفض

سرير بحجم الملك (هكذا يُطلق عليه king size bed)

حقيبة النوم (سُدادات قطنيّة للأذنين، وقناع مُحكم للعينين)

مرآة (تواجه السرير، أرى نفسي مستلقيًا خفيفَ الثياب)

مُنبّه (لمن أستيقظ؟)

تلفون (نظام هاتفي داخلي، أجرّب حظي؟)

منفضة (الغرفة ليست للتدخين، مما يزيد الأمر سوءًا)

جهاز إنذار الدخان (سأغطيه بكيس)

علبة التحكم بالحرارة

لوحتان على الجدار (مشاهد نهاريّة)

سجادة (أغصانها تنمو في السكون)

ورق جدران كلاسيكي (تزاويق مُكرّرة، ذهبيّة وعُشبيّة)

طاولة مطويّة للكَي

خزانة آمنة (كلمة السّر 24601 رقم السجين فالجان  في رواية البؤساء)

أدوات تلميع الأحذية

شراشف لا لزوم لها (لذيذة البرودة)

وسادة احتياطيّة (أنامُ وحيدًا)

بابٌ مُغلق على الغرفة المجاورة (هل أنا الذي في “الغرفة المجاورة”؟)

نافذتان (تُطلّان على حديقة محاها الليل)

ستائر مزدوجة (مقاومة للشمس)

قلم

مفكّرة (عليها شعار الفندق)

مطويّات سياحيّة

كتاب دليل الهاتف

منيو المطبخ (مطاعم الفندق نائمة)

أرواب استحمام (كأنني لم أرَ البياض قَط)

رفّ من الفوط

ستائر حوض الاستحمام

حوض الاستحمام

سجّادة مقاومة للانزلاق

مقياس الوزن (الكآبة بالأرقام)

مجفّف شعر

زوج أحذية خفيفة

سوائل الغسيل (شامبو، مراهم الجسم، جِل)

صابونة (لا تذوب أبدًا)

فرشة أسنان (خشنة)

معجون أسنان (يكفي لمضمضة واحدة)

علبة أدوات الخياطة

علبة تقليم الأظفار

مرآة مكبّرة (أرى ذقني شعرةً شعرة)

كأسان فارغان

وأخيرًا أنا..

لا بد أن هناك أمرًا خاطئا.

طلع النهار من ثَنية في الستار

ففزعتُ إلى الردهات بين الغرف

قلتُ لعلّي ألتقي أحدًا

وفي نفس اللحظة

أطلّت رؤوسٌ من الأبواب تحمل وجهي..

كأنني أسكن كلّ الغرف.

http://www.alittihad.ae/mobile/details.php?id=12730&y=2017

Advertisements