العالم دون لمسة أخيرة

(1)

هنالك أشجار تنمو فقط في زوايا صغيرة من العالم. أشجار تهبها الشمس عيناً ساهرة، فهي لا تشبه تلك الأشجار التي تنمو في كل مكان وتتحدى شيخ الطقس الخالد. هنالك أشجار تحتاج إلى أن تُمسّد كرؤوس الخيول؛ يُسمع نبضها قريباً من لحافها، وتهذي في الليل. إنها الأقدم على وجه البسيطة، والمتنبئة بأحوال أحيائها. تلك أشجار تكتب الشعر في الهواء.. وهو ذلك الشعر الذي يطرق رأسك ولا تدري، فتداريه وتدخله أعز الغرف في البيت، وأوسطها.

(2)

لا أميز الشجر. لا أعرف أسماء الشجر. أعرف فقط تلك الشجرة التي كنت أرسمها في طفولتي وأعود لأسقيها حتى الآن في كل مكان رسمتها فيه؛ لطخة خضراء من دون أغصان فوق مستطيل بني. بالنسبة لي، هذا هو الشجر كله. أنا آسف أيتها القرية، ويا جدي، ويا كل أراضي النخيل.. يا أحساء. وآسف أيتها الجنة.

(3)

قبيل الفجر بصفحة أو صفحتين، يبدو لي العالم دون لمسة أخيرة: كتاب تقرض أوراقه جرادة. كرسي خشبي تحفر أقدامه الأرض بحثاً عن الماء. المعطف الجلدي يسعُل وترتفع منه أنفاس شتائية بيضاء. زجاجة النافذة مخلوطة بالرمل وأستطيع أن أرى ذئباً يعدو على الخليط نفسه، لا وراء النافذة ولا أمامها. شجرة تقذف ثمارها في الهواء مثل مهرج وتديرها في حلقة تتسع وتتسع. حصان يُدني رأسه ليشرب من كوب قهوتي. غرفتي دون مفاتيح للكهرباء. فراشي دون نوم. أخي دوني. والحب من دون غُرّتها.

صحيفة عكاظ

Advertisements