صدر عن دار أثر كتاب بول أوستر: اختراع العزلة

وقد قام بتقديمه مشكورًا الأستاذ الكبير عبدالله السفر

Untitled-2 (1)

شاهد «سام أوستر» أمه تقتل والده في المطبخ. وعاش بقية حياته حابسًا هذه الحادثه في صدره دون أن ينبس بها لأي أحد. وخلال الوقت الذي أنجب فيه «سام أوستر» إبنه «بول أوستر»، عاش «بول» مع أب غريب وغامض، تكتنفه الأسرار ويحيط نفسه بأسوار وأحاج كثيرة. لم يرد إلى ذهن «بول» بأنه لن يتمكن من معرفة والده وسبر أغواره إلا بالكتابة، وبعد موت والده تحديدًا، عن طريق العبث في أغراضه وبيته وسيارته والفوتوغرافات والألبومات المحشورة في أدراج غرفة نومه. يكتشف «أوستر» لاحقًا تفاصيل ما حدث لوالده والآثار التي كان عليه تحملها ويحاول العثور على منبع كل طباع والده الغريبة وتفسيرها.

يقول بول أوستر عن كتاب المذكرات هذا: “إنه، بشكل أو بآخر، جوهر أعمالي كلها”. وفيما يؤكد هارولد بلووم أن وليم شكسبير قد اخترع البعد الإنساني، فإن بول أوستر يؤمن من جهته بأنه قد فعل الشيء نفسه بالنسبة للعزلة بدءًا من كتابه «اختراع العزلة» الذي هو بمثابة مذكرات عن والده الذي توفى بشكل غير متوقع. فضلاً عن أن الكتاب هو في الوقت ذاته تأمل شخصي في طبيعة الذاكرة والخسارة. إن كتب أوستر التالية، بما فيها 16 رواية، قد وضعته كسيّد من أسياد الرواية الحديثة، ومن أفضل من تعامل مع الشعور بالعزلة ووعيها.

المقدمة

القبض على أفق الأب

عبدالله السفر

الأبناء نيام، فإذا مات الآباء انتبهوا.

انتباهٌ على قبضةٍ توشك أن يفرط منها عمرٌ وذاكرة وجذور. يقظةٌ تريد أن تلحق؛ أن تستنقذ ما يسعى الزمن إلى مواراته إلى الأبد كأنه لم يكن.

لئلا يبسط النسيان رداءه ويجرّ ذيوله، لا بدّ من عودةٍ إلى الوراء ونفْض الأدراج وزيارة الأماكن القديمة؛ تحريك الصورة وإراقة الضوء والبحث بين الظلال لعلّ الأب لم يزل هناك.

لعلّه في حومة تاريخه وذاكرته يبعث معنى ويرسل فهماً لما غاب أو أُسِيءَ تفسيره.

لعل الابن يعثر على معناه هو ويرتطم بحديد تجربته؛ مأزق وجوده وحصْره؛ التربة التي تجعله يعيد سيرة الأب على نحوٍ مقلوب ليكون الاثنان في صدى الجذر والثمرة؛ يلد الأبَ مُطهّرا من بطن الحوت، ويكسب موقعاً مناسباً ومنصّةً مواتية لإطلاق إبداعه في فضاء جديد.

على نحوٍ مفاجئ ودون إرسال إشارة تمهيد لمغادرة العالم يموت الأب. يسدل غيابه على حياة الابن. وبموته، الأشبه بضربة حارقة أو قطْعٍ في اللحم من الداخل، يجري استدعاء الذاكرة ومُساءلة الوثيقة لإعادة بناء صورة الأب طبقا لظرفه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ليكون ما عليه من وضْع ومن صفاتٍ مثّلت حاجزًا ليس بينه وبين أفراد عائلته، بل بينه وبين العالم نفسه. يقيم جدار عزلته وانبتاته عمّا حوله – إلا في ومضاتٍ نادرة تؤكّد العزلةَ ذاتها – ويكاد أن يصبح غير موجود فارضاً إهماله وعدم تعاطفه ولا مبالاته ولا اكتراثه، جاعلا منها سياجه الواقي لا يتورّط في مواقف ولا في مشاعر ولا يشتبك بما هو حياة وعلائق بشريّة.

يرفع الأب مصدّاته ويمتّن من أسواره. ينعزل لا ليتجّه نحو الداخل ويتأمّل ويستكشف ويستبصر ذاته. إنما ينعزل إلى درجة الاختفاء والغياب.

يعكف الابن حفراً في التذكارات والزوايا والآثار العالقة تحمل حكايات الأب مع الأسرة ومع العالم من حوله. يقصر عن دوره الإنساني. مستنكفاً عن تمرين حوّاسه مع المتاح من المتع. حالةٌ من جفاف الطبع تبقيه في منأى من التأثّر والتواصل إلا طبقاً لجرحه القديم، ورضّته النفسيّة التي تكبّدها في فجر حياته وهو بعد لم يزل طفلا فصار إلى الإجداب العاطفي والتخفّف من أن يكون له أثر.

يسبر الابن السرَّ المخبوء وعقابيله. يتوقّف مدقّقاً بذاكرة لا يندُّ عنها شيءٌ ولا يغيب. كما لو كان هذا التدقيق والنبش في خزانة الذكريات وبيان الأعطاب الوالدية؛ صقلاً لأبوّةٍ يريدها أن تتنقّى من الأخطاء وتبرأ منها؛ يريد أن يتحقّق له ((القبض على أفق الأب)).

Advertisements