صدر عن دار مسكيلياني كتاب إليف شفاق: حليب أسود

وقد قامت بتقديمه مشكورة د.بدرية البشر

هنا صورة الغلاف والمقدمة

 001

الأُم الكاتبة

د. بدرية البشر

لا توجد حقيقة ناصعة مثل بياض الحليب، فلماذا أصبح الحليبُ أسودَ؟. تحت هذا العنوان اللافت للنظر تضعنا الروائية الفاتنة ألِف شفَق أمام سر كبير، كما في أسرار العشق الأربعين -أشهر وأنجح رواياتها وأكثرها نجاحًا وقد تُرجمت إلى العديد من اللغات. في هذا السر تصف الروائية تجربة غامقة لا تصيب بالضرورة كل الأمهات حديثات الولادة، لكنها إذا ما أصابت روائية مثل شفَق فإنها تتحول إلى حالة من البصيرة واليقظة تُشهد عليها الناس كلهم، فيمتد ضوؤها إلى أرواحهم ويصيبهم شيء منه. ومثلما أن الحليبَ الضارب في البياض هو رمزُ الأمومة، فإن السوادَ ليس فقط رمز الكتابة وسواد الحبر، بل أيضًا سواد الأفكار السلبية الكئيبة التي تداهم بعض الأمهات بعد الولادة مباشرة، فتدفعهن نحو نفق مظلم يتصارعن فيه مع قلقهن وأشباحهن وأسئلتهن التي تتفتح في صدورهن، فتخنق تدفق أثدائهن العامرة بالحليب وأرواحهن الطافرة بالحياة، ليذهبن بعدها يفتشن عن أبوابٍ واسعةٍ للفهم تُفضي بهن إلى سهول الإبداع، حيث يتشاركن فيها تجاربهن مع البشرية جمعاء .

لقد ارتعشت عظامي، أنا أيضًا، بعد كل ولادة. ولم أفهم كيف تتحول احتفالية إنجاب طفلٍ تملأ مَن حولي صخبًا وفرحًا، إلى جنائزية من بُكاءٍ مُتقطعٍ وهلعٍ وقلقٍ لا يهدآن، فقد كنت أستيقظُ كُلّ نصف ساعةٍ لأضع إصبعي تحت أنف طفلي مخافةَ أن يخطف أنفاسه جنيُّ “موت المهاد” كما قرأت في الكتب التي ثقّفت بها نفسي استعدادًا لما بعد الولادة، لأجد نفسي بعدها بدلًا من أن أعيش نِعمةَ الوَعي، رُحت أُحوّله إلى كارثة، وعلى الرغم من وجود الكثيرين حولي لمساعدتي، فإن ذلك لم يُعِنّي على استعادة هدوئي.. فكلما رأيتهم ينامون حولي بسلامٍ وابتهاج، أُضطَرُّ لاستعادة مهمةٍ لا يُجيدها أحدٌ غيري: حراسة طفلي والعالم، فقد تتوقف أنفاسهما فجأة لو سهوتُ عنهما. وحتى عندما عرفتُ لاحقًا أن ما يدور بداخلي هو حالة غامقة لِمَا بعد الولادة، فإنّ المعرفة لم تكن وحدها كافية للنجاة، خاصة في وجود بعض الأمهات اللواتي يُخبرنَكِ بأنهن عبرنَ بسلامٍ وخِفّةٍ تلك المرحلة، فتشعرين بغرابة ما يحدُثُ لكِ، ويُسرع عقلكِ يؤلّفُ حكاياتٍ للفهم وتفسيراتٍ تتأرجح بِكِ بين الشك واليقين. وهذا طَبْعٌ مألوفٌ عند الروائيين والمبدعين. هكذا أُصبِحُ مثل بينلوبي في الأسطورة الإغريقية، تلك التي تنقض في الليل ثوبَها الذي نسجته في النهار، ثوبًا لم يُنجَز قط، ويقينًا لا تُشرقُ له شمس. إن كآبة ما بعدَ الولادة تدفعكِ إلى نفقٍ مُظلمٍ أسوَد، تجعلُكِ تُحدّقين تحت قدميكِ وحسب، حيثُ تتجادلين مع كائنات شَبَحيّةٍ تتوالَد باستمرار. وكلما أطعَمْتِها أجوبةً بَدَت منطقيّة لأوّل وهلة، كلما شَدّتكِ إلى قاعِ جَحيمٍ أسود، لا تستطيعين فيه أن ترفعي رأسكِ، فأنتِ تُريدين أن تفهمي ماذا يجري معكِ، لكن الشك يمتَصُّ قدرتكِ المتهاوية على الفهم والنهوض ومواصلة الحياة بفرح. إن أكثر ما قَد يوجعكِ وأنتِ تعيشينَ هذه المشاعر المُربكة هو سؤالُ مُرٌّ يزلزل ثقتك بنفسك مَفَادهُ: كيف يحدث لي هذا، وأنا من كنت أظن أنني امرأةٌ تَفوقُ قُوّةً الكثيرات من النساء على هذه الأرض، فيما أشاهد أُمهاتٍ لا حصرَ لهُن وقد عبرنَ هذه المحطة بسلام؟. لم أدرِ أن السبب هو جنيٌّ شريرٌ أسمَتهُ شَفَق بـ “لورد بورتون” يزورُ بعض الأمهات حديثات الولادة؛ يحفرُ بإزميله في عقولهن وقلوبهن، ويمتَصُّ دِمَاءَ قوّتهن بحسب مستوى شراسته ودرجة قوّته، فقد تمضي بعض الأمهات في حياتهن دون الالتقاء به ومعرفته مُطلقًا، بينما تسقط بعضنا صَريعات حِرابه، ويَلزَمُهُنّ من الوقت الكثير كي يتعافين منه، وبعضهن يَعِشنَ بين هذا وذاك. 

هل تُسعف الكاتباتُ قدرتهنّ على الكتابة للتخلُّص من هذا الجني، أم أنهن مثل غيرهن؛ لا ينجون منه إلا بقدر ما تنجو الأخريات، وهكذا تُصبحُ كآبة مابعد الولادة خَبط عشواء: مَن تُصبه تُكئبه، ومَن تُخطئه ينجو؟.

إن كان للكتابة فَضْلٌ فهو أنها قد جعلت كاتبةً مثل ألف شفق تُنجب مع طفلتها الأولى كتابًا أسمته (حليبٌ أسود) سَجّلت فيه ما اختبرته من أوجاع هذه الكآبة، دوّنَت تجربةً تمازَجَ فيها الإبداع مع الوجع، والضياع في أسئلةٍ غزيرة – هذه الأسئلة التي لا تُخلّصنا إلا بقدر ما تُضيّعنا وتزيد حمولتنا من الحياة. لقد بدأت أسئلة شَفَق بشكلٍ متوارٍ في حياتها قبلَ أن تقرر أن تُمسي أُمًّا، لكنها حين تصيرُ أُمًّا تنهمرُ الأسئلة الدفينة كلها بدءًا من تساؤل الكاتبة في لا وعيها: هل على الكاتبة أن تتنكر لأنوثتها كي تصبح كاتبة، أم عليها التنكُّر لإبداعها كي تصبح أُمًّا وتعيش في طمأنينةٍ وسلام؟ أم عليها أن تتصارع مع جوانب شخصيتها المتعددة دون أن تدرك أيّ جانبٍ منها عليه الفوز على الجوانب الأخرى؟. هل الكتابةُ حقًّا هي مجرّد هواية عند النساء، بينما الرجال يمارسونها لأسبابٍ أكثر جديّة وجدوى؟. 

منذ أن كتبت فرجينيا وولف كتابها الشهير ((غُرفةٌ للمَرء وحده)) والأنثى الكاتبة تحاول أن تنبش هذا التحدي الكبير أمام إبداعها للاعتراف بموهبتها، أمام الضغوط التي تواجهها المرأة الكاتبة والقوانين الاجتماعية والثقافية التي تُميّز بين الجنسين وتَحُد من مواهب النساء وخياراتهن في الحياة. ففي كتابها ((غُرفةٌ للمَرء وحده)) طرحت وولف سؤالا مهمًا: ماذا لو كان لشكسبير أختٌ تمتلكُ ذهنًا صافيًا وخيالًا مُتّقدًا؟ وتصوّرَت أن هذه الأخت ربما ستنتهي إلى الجنون أو العزلة أو الانتحار، لأن الأنثى الكاتبة تحتاج إلى تحقق شروطٍ اجتماعيّةٍ كي تتمكن من المُضي في الكتابة، تحتاج إلى تجربة حياةٍ واسعة تمنحها معرفةً بالعالم ومنفذًا إلى علاقاتٍ ثريّةٍ مع الناس، لأن المرء لا يكتب عن تجربته الشخصية فقط بل وعن حيوات متنوعة ومتباينة، ودون هذه التجربة لن تكتب النساء سوى عن واقعٍ فقيرٍ ومحدود. لهذا أعلنت وولف أن الكاتبة المرأة في حاجة إلى غُرفةٍ تخصّها وحدها ودَخلٍ مُنتظمٍ ولو كان بسيطًا. بيد أن شفق، بعد قَرنٍ من الزمن عن وولف، وبرغم تغلُّبها على صراع الحصول على غرفة تخصّها ودَخلٍ مُتدفّقٍ لكاتبةٍ مثلها، تكتشف أن الأنثى الكاتبة يعترضها تحدٍّ آخر، شرطٌ وجوديٌّ آخر، شرطٌ طبيعيٌّ ينتصبُ بعدَ تجارُب الحب والزواج، ألا وهو الولادة والأمومة. وهو شَرطٌ يستدعي معه، أيضًا، صراعًا نفسيًّا لا يقلُّ حِدّةً عن صراع الأنثى مع شياطين القوانين الاجتماعية والثقافية.

 ورغم أن شفق، مثل كل الأمهات، تعترف بأن الأمومة هي أعظم هدايا الحياة، فإنّ المرأة كما تقول شفق لا تصير أُمًّا بمُجرّد الإنجاب، بل عليها أن تتعلم الأمومة. كما أن الأمومة ليست مَهمّةً ممتعة في كل الأحوال، إنها كما تصفها دوريس ليسينغ حين كتبت: ليس هناك مَلَلٌ أشدُّ من قضاء امرأةٍ شابةٍ وذكيّةٍ وقتها كُلّهُ مع طفلٍ صغير.

هل من الصعب أن تجمع المرأة بين الكتابة والأمومة؟ لماذا يبدو ذلك صعبًا؟ هل السبب هو طبيعة الكتابة التي تتطلب العُزلة، فيما لا تستطيع الأم الانعزال؟. 

هذا الصراع يفتح البابَ أمام إشكاليّة الزواج والأمومة بالنسبة للكاتبات، ويطرحُ أسئلةً مِن نَوع: هل تتصالح المرأة الكاتبة مع أمومتها سريعًا مثل باقي النساء؟.. وَمِن ثَمّ ننفتحُ على أسئلةٍ سابقةٍ لذلك، مِن قَبيل: هل نستسلم للنزعات الثقافية التي زُرِعَت بداخلنا والقائلة إن دور المرأة الأبدي والوحيد هو الإنجاب الأمومة، أم ننتصرُ لمواهبنا المتفرّدة؟ هل نُغيّر أنفسنا كي يتغير قَدَرُ النساء ونُغيّر العالم معنا؟.

ومثلما تركت لنا فرجينيا وولف في كتابها منارةً لفهم هذه اللواعج وتصريفها، تأتي شفَق في هذا الكتاب لتضع عتبةً أخرى من الفهم واليقظة في طريق النساء والكاتبات، وضعت جسرًا من المعرفة الإنسانية الضرورية، حيث نكتشف أن هذا الصراع بين الأمومة والكتابة والإبداع ليس بجديدٍ ولا يخُصُّ منطقةً من العالم دون أخرى ولا ثقافةً دون أخرى، بل أن المرأة في الغرب عاشَت ما عاشَتهُ المرأة في الشرق؛ فَعِبْرَ استعراض دراساتها النسوية في (حليب أسود) لتاريخ الكاتبات في أمريكا وفرنسا والصين واليابان، نكتشف أن الأسئلة نفسها قد طُرِحَت في كُلّ مكانٍ وكُلّ ثقافة، وأن المرأة الأنثى التي عرفَت حَمْلَ الأفكار وإنجاب الكتب قبل إنجاب الأطفال قَد واجَهَت التحدي ذاته والصراع نفسه: هل يلزمها أن تتنكّرَ للرّحِم مُقابل العقل والمنطق؟. وعِبْرَ هذه الرحلة الطويلة والشيّقة سنعرف تاريخًا لنساءٍ طرحنَ هذه الأسئلة على أنفسهن، وعَبَرْنَ جزيرة الفهم الكابوسيّة؛ بعضهن وصلن بسلامٍ وَوِفاق، وبعضهن تعذّبْنَ وانجرفن للهاوية، وبعضهن اكتفينَ بالانحياز للكلمة دون الطفل.

 ستجدُ الكثيرُ من النساء في كتاب (حليب أسود)، مثلما وجدتُ أنا، شفاءً لجروح الأمهات والمبدعات، وَفِهمًا رائعًا لهذا الصراع الذي عشناه بما يُحوّله إلى شَغَفٍ من أجل الحياة وليس من أجل النصر والفَوز، وهو ما جعل الكاتبات المذكورات في الكتاب على ماهُنّ عليه مِن عَظَمةٍ ومكانة.

ليس (حليب أسود) مجرّد رحلة في تجربة اكتئاب ما بعدَ الولادة، أو سيرة ذاتية لأُمٍّ مُبدعةٍ تَصادَفَ أن توقّفَ قلمها عن إنجاب الكلمات عندما أنجبت طفلها، بل هو تجربةُ وَعيٍ لِمَا يُمكن أن يحدُثَ حين تتصارع الأُنثى التي تَلِدُ الكلمات والأُنثى التي تَلِدُ الأطفال، وكيف يُشَقّقُ هذا الصراعُ المبدعةَ إلى كياناتٍ مُتعددةٍ تحرمُها من السلام والصفاء وحالة الرضا، ويجعلها كما كتبَت شفق: في هَوَسٍ دائمٍ بشأن الدرب الذي أهمَلَت اختياره.

إن كانت فرجينيا وولف قد حرّرت جناحًا للمرأة الكاتبة بِكَشف أسئلتها وحاجتها لغُرفةٍ تخصُّها ودَخلٍ مُنتظم، فإن شفق قد حرّرَت الجناح الآخر للكاتبة الأنثى الأم، ليُصبح مجموع كتابات النساء المتبصرات بواقعهن وأنفسهن حُريّةً وتحليقًا وانطلاقًا.

وإلى جانب المتعة وخِفّة الروح والطرافة في هذا السرد، فإن هذا الكتاب يُعيننا نحن النساء لنتصالح مع ذواتنا المتشظيّة إلى ذواتٍ وذوات، وبأسلوبٍ لا يُثير الأسى، كما يقول المثل عندنا: “الموت مع الجماعة رحمة”. أي أن المأساة تخسر الكثير من أسلحتها ويفقد وجهها بشاعتَهُ حين تمُرُّ علينا في جماعةٍ تتشاركها. 

تكتبُ ألف شفق ببراءةٍ تُشبه براءةَ أفلام الكارتون التي تُصوّرُ الجميعَ أبرياء، أو بشرًا في النهاية، وتجعلنا نتعاطف معهم، بما فيهم جِنيُّ اكتئاب ما بعدَ الولادة الشرير، الذي أثّرَت فيه كلمةُ حنانٍ فأخذَ يبكي. ولعلّ شفق تلتزمُ قَوْلَ جورج إليوت: إن لم يقم الفنّ باستظهار مشاعر العَطف لدى البشر، فليسَ لهُ، إذن، أيّ دورٍ أخلاقي.

ألف شفق قلمٌ أصيل، لا يُروّج ولا يتبع ما يعثُرُ عليه في السياق، بل يكتُبُ ما اختبرَهُ بنفسه مع احترام تجارب الآخرين. وقد برعَت شفق وأثبتت أنها شُجاعةٌ وطَيّبةٌ مثل بطلات الحكايات الخرافية اللاتي يفُزنَ في النهاية.

إيفيان – فرنسا

25 يوليو، 2015

Advertisements