أحمد العلي: اللغة وجود مواز والكُتّاب هم خَط الدفاع الأخير

أحمد العلي: عندما بدأت الترجمة تعلمت لغتي من جديد

اللغة وجود مواز والكُتّاب هم خَط الدفاع الأخير

http://www.alarab.co.uk/?id=57650

001

صحيفة العرب – زكي الصدير [نُشر في 23/07/2015، العدد: 9985، ص(15)]

وحده الشاعر يمتلك أكثر من غيره مقاليد اللغة ويحتضن جوانبها، ينفخ فيها ويبث فيها نفسا جديدا كل مرة، إنها لعبة لا يتقنها غيره مع اللغة، يشدّها ويطلقها، يتصرف فيها كما تتصرف هي فيه، إنها تلك العلاقة القائمة على التأثير والتأثر المتبادلين. لذلك فإن أنجح المترجمين هم في الأصل شعراء، فإن كانت الترجمة فعلا لغويا يفتح آفاقا جديدة وينير مناطق مجهولة من اللغة المترجم منها أو المترجم إليها، فمن الأفضل أن يكون هذا المترجم شاعرا، لما للشاعر من مخزون لغوي وعلاقة شفافة مع اللغة يفتحان أمامه آفاقا جديدة تصل بالنص إلى القارئ في غاية اللذة. “العرب” التقت الشاعر والمترجم السعودي أحمد العلي وكان لنا معه هذا الحوار حول واقع الشعر والترجمة والثقافة.

عندما نتوقف مع الشاعر والمترجم السعودي أحمد العلي فإننا أمام نهر طازج ينبت عشبا على ضفافه دون أن يتلفّت إلى الخلف. هكذا يفتح العلي أبواب الثلاثين ربيعا من عمره مخلفا وراءه مجموعة من التجارب الشعرية، والترجمات الأدبية، بالإضافة إلى جمعه لإرث عمه الأديب محمد العلي الثقافي.

بداية، توقفت “العرب” معه عند ديوانه الأول “نهام الخليج الأخضر” (2010)، وكيف تطوّرت اللغة الشعرية لديه في مجموعته الثانية “يجلس عاريا أمام سكايب” 2013. ففي المجموعة الأولى نجد ذلك الشاعر الموزّع لحلواه بين ولائم مختلفة من الشعر، بينما نجده عاريا من تلك الولائم في المجموعة الثانية.

التجربة الشعرية

يقول العلي “كارثة الشاعر هي ديوانه الأول. إذ يبدو أنه الوحيد الحقيقي، الفيض الزلال الآتي من كل الشعراء الذين أحبهم واستطاعوا أن يقلقوا وجوده وأن يقحموا الشعر في قلبه وحياته، أي أنهم أدخلوا الغول إلى البيت، عندما كان الشاعر الغض في عين البكارة. هو فضيحة السلالة الشعرية والتماهي معها. تبدأ الخطوة والجرأة في الديوان الثاني، هنا الخناق. لم أحاول هدم أيّة سلطة في ديواني الأول. لكنني، في الثاني، حاولت هدم أكثر من سلطة، شعرية وثقافية”.

في كتاب العلي “كما يغني بوب مارلي” الصادر عن طوى (2014)، لا نقبض على العلي شاعرا فقط، وإنما نمسك معه أيضا على السارد بعيون سينمائية تحلّق بالقارئ في عوالم إنسانية عميقة تقترب أحيانا من السيرة الذاتية، وتبتعد في أحايين أخرى إلى فضاء روائي منفتح التأويل والاحتمالات. وعن هذه التجربة يحدثنا العلي قائلا: كتاب بوب مارلي امتداد لكتاب سكايب. تحدّ مستمر للذائقة الأدبية، للسلطات الثقافية والجمالية. هناك فكرة واحدة تجمع الكتابين، وهي أن العرب يحيون بلغة أخرى عن تلك التي يكتبونها. أي أن الوجود اللغوي أمر آخر تماما عن الوجود الفعلي. اللغة وجود مواز. هكذا على الكاتب أن يركض باللغة لتلحق بالحياة، لا أن يعيش مع النصوص الأدبية ويساكبها ببعضها ويتمثّلها فحسب. هذا ما فعلته في سكايب وبوب مارلي، في الأول أقحمت العوالم الرقمية التي نعيشها الآن في اللغة الشعرية، حاولت أن أجد الشعر في أماكن لم يبحث عنه فيها أحد، وفي الثاني أقحمت المدينة بأعلى صورها الحضارية في اللغة، ولذلك احتجت إلى السرد، فلم يكن ساعد القصيدة كافيا لرفع ما أراه وأريد قوله.

العلي مترجما

ترجم العلي نصوصا أدبيّة مهمة، كان منها رواية “اختراع العزلة” للروائي الأميركي بول أوستر، وكتاب “حليب أسود” مذكرات للروائية التركية أليف شافاق، و”صندوق الموسيقى: مختارات شاملة للأعمال الشعرية للكاتبة الأميركية الفلسطينية نعومي شهاب ناي”، و”أصوات الطبول البعيدة: مختارات من الأدب الصوفي العالمي”، وعمل ضمن الفريق المشارك في مشروع “تكوين” لترجمة الكتب العالمية المهتمة بتقنيات الكتابة الأدبية ومهاراتها. كما ساهم في ترجمة كتاب “لماذا نكتب؟”، وترجم مقالات لنيل غيمان وإلمور ليونارد، وآخرين. ويعمل حاليا في دار بنغوينراندوم هاوس بنيويورك.

عن هذه الترجمات الثرية يحدثنا العلي قائلا: كتاب “اختراع العزلة” هو مذكرات بول أوستر عن وفاة أبيه وتجربة الكتابة بعد ذلك، وهو الأقرب إلى قلبي، فهو أول كتاب يكتبه أوستر بعد سنوات طويلة من كتابة الشعر فقط، ومن بعده لم يكتب سوى الرواية، هكذا جاء بلغة شعرية عالية وحفر عميق في العزلة والفقد وابتكار المسافات. ترجمت بعده مختارات من الأدب الصوفي العالمي، إذ انبهرت بمياه الحكمة التي تفيض بها صلوات الآخرين وأدعيتهم الدينية، انبهرت بالفردانية والتماهي مع الله والحياة والفرح الذي تكنزه تلك الصلوات، بعكس أدعيتنا التي لا تختلف شيئا عن قنواتنا الفضائية، فهي قادمة من نفس الثقافة، ممتلئة بكراهية الآخر وشهوة القتل والمحو، أو آمال الاستزادة من المال والعمر والولد فحسب. أدين في ترجمتي لمختارات من أعمال نعومي شهاب ناي الشعرية للدكتور سعد البازعي، فقد أشار في إحدى مقالاته بجريدة الرياض إلى وجود نقص في المكتبة العربية لترجمات للأدب العربي- الأميركي، فذهبت مندفعا لقراءة أعمال هذه الشاعرة بعد أن التقيتها في نيويورك، أحببتها ونقلت شعرها إلى العربية. وجدت في شعرها رقّة وعينا جديدة، عين امرأة حقيقية.

ويتابع العلي: أمّا مذكرات أليف شافاق المعنونة بـ”حليب أسود”، فقد كتبت بلغة سهلة ومباشرة، وفيها طرح واسع وحسّاس بعض الشيء للقضايا النسوية التي تهم المرأة الشرقية، فأحببت نقله إلى العربية. تكمن صعوبة ترجمة الكتاب في أنه يتمحور حول ست شخصيات، لكل شخصيّة منها طريقة في الكلام مختلفة عن الأخرى، وكان عليّ هنا أن أبتكر أسلوبا لكل شخصية. فيه أيضا الكثير من الإشارات إلى مؤلفين وكتب واقتباسات احتجت إلى أن أطابقها مع ما هو موجود في المكتبات والإنترنت ليستطيع القارئ التوسع في الاطلاع عليها لاحقا. لم تكن ترجمة الكتاب صعبة، ولكنني احتجت جلدا هائلا لكي لا أمزقه لكثرة الإحالات والجهود البحثية فيه، مما تطلّب مني جهودا أخرى غير الترجمة نفسها.

ويضيف العلي “عندما بدأت بالترجمة، تعلّمت العربية من جديد. الشعر في المخيال العربي فيض، يتلبسك جنيّ ما ويلقي على لسانك كلاما سحريا، فتكتبه، كلاما مقدسا له شكل واحد هو الأصدق وما عداه تحريف، لا تدري من أين، وينتهي دورك بعدها، هو يعلّمك الرّقّة. أمّا الترجمة فلا تؤمن بهذه القداسة للنصوص، هي قاسية، وتقول بأن اللغة أوسع من الكلمات المخزونة في أذهاننا والتي نستخدمها بشكل عفوي. أنت أمام مئات الخيارات اللغوية إذا أردت أن تترجم، هكذا تتسع المدارك اللغوية بتضاعف مطّرد سواء في حصيلة الكلمات أو تركيب الجمل أو دقة المعاني”.

إرث محمد العلي

على مدى خمس سنوات مضت اشتغل العلي على جمع آثار الأديب العربي السعودي محمد العلي، فقدّم للقارئ ست كتب للعلي كان آخرها “لا أحد في البيت” الصادر عن مسعى في مارس الماضي. ولعل عملا ضخما مثل هذا كان بحاجة إلى مؤسسة ثقافية تشرف عليه وترعاه، لا سيما وأنه توثيق تاريخي لبواكير حركة الحداثة في السعودية وكيف وقفت القوى الظلامية في وجه انطلاقها محاولة تكميم أفواهها والقضاء عليها عبر الفتاوى وحملات التكفير التي طالت كل من يفكر خارج الصندوق أو يحمل بين يديه شعلة الحركات اليسارية التقدمية.

وحول سؤال عن تجربته في جمع هذا الإرث يجيب أحمد العلي: لم أجمع آثار محمد العلي الفكرية إلا لأقرأها. مشكلة حركة الحداثة في السعودية أنها دعت إلى التجاوز دون أن تترك لنا ما يمكّننا من تجاوزها هي نفسها، أي كتبا تمكننا من قراءة فكر تلك المرحلة ونقده وهضمه والبناء عليه. قيل إن الحداثيين كانوا عازفين عن إصدار الكتب، والحقيقة أن المنطقة بأسرها كانت جديدة على صنعة تأليف الكتب وإصدارها، لم يكن خيارا متاحا لا على الصعيد الشخصي ولا العملي كما هو الآن، ولم تكن الذهنيات الأدبية والبحثية موجهة لتأليف الكتب، بل كانت موجهة لكتابة المقال والنشر في الصحف، وأحد آثار ذلك هو أن الشباب الآن في تدهور ثقافي مستمر.

يضيف: كان قارئ الكتب بالضرورة متنوّرا، أما الآن فبينه وبين النور ألف كتاب وكتاب، وهذا نكوص وارتداد. لذلك، إن كنت أريد أن أكون جزءا من المستقبل، فعليّ مراجعة هذا التاريخ، أن أحيط به وأفهمه لأعرف ما الذي جرى وما الذي يجب أن يجري، أن أبحث عن الحلقة المفقودة وأعيد ربط السلسلة. جاءت كتب محمد العلي كنتيجة لهذه الإرادة، إذ عملت على جمع مقالاته من شتى الصحف والمجلات، وقضيت أشهرا في مستودع جريدة اليوم وأرشيفها، وقلّبت أعداد الجريدة النائمة في الأرشيف والتي تمتدّ تواريخها منذ بداية السبعينات وحتى 2003 (بداية الأرشيف الإلكتروني). كان الهدف هو الوقوع على مقالاته، ولكنني بهذا أعدت قراءة تاريخ بلد بأسره. فقد شكّل لي “العم” بوّابة واسعة للمعرفة، ولم أكن أريد له، بعد أن قرأته، أن يبقى اسما يذكر في كتب الآخرين من أصدقائه أو محبيه، فهو بذاته مرجع.

يتابع الشاعر: كل ما كتبه محمد العلي شعرا وفكرا يحمل من الإخلاص والتفاني ما يجعله جذرا قد تفرّعنا منه، حلقة في سلسلة التاريخ لا يمكن فقدانها، لا يجوز لقامة كهذه أن تحيا تائهة، لقد حشرته ضمن كتب حتى تبقى أسطورته خالدة، فلن يبقى منّا جميعا بعد مئتي عام سوى كتبنا إن نجحت في امتحان الزمن.

أما المؤسسات الثقافية فهي مهادنة للسلطات جميعها، السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية، ولا قيمة لكتاب لا يهدم سلطة، لهذا لا يمكن لها أن تقوم بهكذا عمل. هناك أفراد ينتمون إلى بعض المؤسسات الثقافية، ساعدوني في جمع وإصدار تلك الأعمال، وهم يمثّلون أنفسهم وإخلاصهم لقيمهم وثقافتهم، لا لمؤسساتهم.

سجن الكاتب

يؤكد العلي على ضرورة وجود مؤسسة رقابية واحدة بحيث تفرض الرقابة على الجميع بالعدل والقسطاس، وأنها لو كانت موجودة لما حصل هذا الرهاب الكتابي الذي يعيشه الكتّاب. ويرى العلي أن الصحافة السعودية موجهة. يقول: كانت صفحات الرأي حرّة نوعا ما، يستطيع الكاتب الشجاع أن يحيا من دخلها مهما كتب ومنع ما يكتب، أما الآن فصفحات الرأي موزّعة على الكتاب بحذر وشحّ ومنّة، تكاد تكون بلا قيمة. على قلمك أن يكون خفيفا لتحمله هذه الصحف الواهنة. وعندما بدأ الكتّاب بفتح منتديات ومواقع على غرار “منبر الحوار والإبداع″ ليكتبوا بحرية، لاحقهم الحجب والمنع والتهديد. وبالنسبة إلى ما نشرته أنا في الصحف، فكثير منه يمثل موادّ من كتبي التي لم تصدر بعد حينها، أنشر منها بعض الأجزاء على شكل حلقات ليتعرف عليها الناس لا أكثر، لا أملك تلك الخبرة في التمييز بين شروط الرقابة المختلفة بين المؤسسات الإعلامية. أنشر ما أريد في مدوّنتي “نهر الإسبرسو” فحسب؛ أنا ربّ نفسي في مساحتي.

وفي ما يتعلق برأيه في ضرورة العمل على اتحاد للكتاب والأدباء السعوديين يخشى العلي أن يكون هذا الاتحاد هو سجنهم. ويرى ضرورة محاولة الكتّاب مجبورين إلى استخدام ذكائهم في العناد وإيجاد المنافذ لخلق العالم الذي يحلمون به.

يقول العلي “الكتّاب هم خطّ الدفاع الأخير، وحشرهم في مكان واحد يضعف منهم. هل تتخيل أن يصدر هذا الاتحاد يوما ما بيانا يعلن فيه وقوفه مع عملية حربية أو تأييده لفتوى دينية ما؟ صدقني سيتمّ إقحامه بهذه الطريقة، وهكذا يكون الكتّاب قد خلقت لهم جبهة هم في غنى عنها”.

Advertisements