صندوق الموسيقى

ترجمة مُختار من الأعمال الشعرية الكاملة

للشاعرة الأمريكية الفلسطينية

نعومي شهاب ناي

صندوق-الموسيقى-copy


taaref


مفتاح الكتاب

logo

1

مثل المفتاح المدسوس تحت سجادة باب البيت، حَفِيًّا بالأغراب ومشمولاً بأمل قدوم زائرٍ والبيت خُلوٌّ من أهله.. حينها، يُمسي هو ربّ البيت؛ هو المُضيفُ ومُشعِلُ الأضواء والدّال على غُرفة الجلوس والجالب أكوابَ الشّاي. وسيُنسى لاحقًا ولا يُذكَرُ سوى البيت وأهله. هو يعرف ذلك، ولا يُمانع. وتلك مثلبة البشر. أو قُل، من مثالب قراءة الترجمات.

2

على مسرح أكاديمية الشعر الأمريكي، و من بين أفضل أربعة عشر شاعرًا في الولايات المتحدة، نهضت نعومي لتُلقي قصيدتين، مثل فتاةٍ تُعطي لسبورة الدرس ظهرها و لأقرانها خجلها الدافئ. لاحظتُ أن شَعْرَ رأسها مفروقٌ إلى جديلتين يغلب عليهما الشّيب، لكنهما تُصرّان على الطفولة. و راحت، بعد قيام زملائها بقراءة قصائدهم، بالتصفيق لهم واحدًا واحدًا فيما يُشبه صَفْقَ جناحي نحلة، بخفّةٍ و سُرعةٍ، و بهجة العسل باديةً على مُحيّاها. و كنتُ على مقاعد الجمهور، بعينين هائلتين كأشجارٍ استوائيّة، و قلبين يضطرمان؛ قلبي، و قلب اللغة. بعدها، تحادثنا طويلاً على مأدبة الطعام عن الشعر و أصولها الفلسطينية التي لا توفّر فرصةً للإشارة إليها. و قد رحّبَت بي، كما قد يفعلُ أيُّ عربي، و تمنّت لي حياةً طيّبةً، كما تفعل أيّة غيمة.

3

للمرأة لمسةٌ بليلةٌ خَبرناها، ولها عينٌ رقراقةٌ دومًا في إبداعها، أيًّا كانت ماهيّة ذاك الإبداع. و نعومي، في مجمل أعمالها، تَعي هذا الأمر و ترعاه. و لذا يسهُلُ على قارئ نصوصها -إن جَهِلَ من قامَ بكتابتها- أن يَخلُصَ إلى أنّ الكاتب امرأة. لكن، يندر أن تجد مثل هذا في الثقافة العربية. يندر أن تجد نصًّا لكاتبةٍ يحاولُ النسجَ و الغزلَ، يحاول تقليم الورود، دون التماهي مع الطريقة الذكورية الموروثة و السائدة في النظر و التناول، بجحيمها و حدائقها.. دون تلك المرآة الرجولية الشهوانية أو البطولية، دون حتى رومانسية المراهقين في الحُب و الهَرَب. لهذا، قد يلحَظُ القارئ أنني نَحَوتُ بلغة الترجمة، عِنْدًا بالتراث و الخطاب السائد، و عِنْدًا بالقاعدة القائلة أّن الخطاب الموجه للذكور شاملٌ للإناث، لكن ليس العكس. أقولُ، نَحَوتُ بلغة الترجمة في هذه المختارات من أعمال نعومي شهاب ناي الشعرية للتأنيث كلّما صادفتُ ما لا جنسَ له لغويًا في الإنجليزية، إذ تفصلُ الإنجليزية الشيء، أو المُسمّى، عن جنسه. جنسُ الشيء أمرٌ مختلفٌ تمامًا عن الشيء نفسه، بخلاف العربية التي تدمج المُسمّى بجنسه، إمّا مذكّرٌ أو مؤنّث. ليس للطاولة جنسٌ في الإنجليزية، لكن حتى القمر في العربيّة مذكّر. و لو أردت أن تُشير لجَمعٍ من الذكور فقط، أو جمعٍ فيه خليطٌ من الجنسين، لقُلت (هُم)، إذ على الجمع أن يتكوّن من إناث بشكل صرف لتستطيع الإشارة إليه ب(هُنّ). هكذا، كُلّما صادفتُ كلامًا عامًا موجّهًا للجنسين، وجهتُ الخطاب بالعربية للأنثى بخلاف المعتاد. وجدتُ في النهاية أنني أترجم شعر نعومي كما هو، أو كما أشعرُ به صدقًا في لغته الأم. و لم أتعمّد بما فعلته هُنا أمورًا كثيرةً من بينها مغازلة النسوية، ولكن بما أنّ الترجمة في جانبٍ من أعماقها استبصارٌ باللغة وتجديدٌ فيها بوصفها كُتلة مفاهيم تُسَيِّرُ عقولنا، قصدتُ أن يعتاد القارئ على أن الخطاب الموجه للإناث لغويًا يعني الذكور أيضًا، أنّ لخطابهن نسيجٌ عليه أن يتعرّفه وألّا يأخذه أخذ الجاهز والناجز، أن لا يرثه، كما اعتدن هُنّ على عكس ذلك – ومُحاكاته – لمئات السنين.

00001.jpg

00002.jpg

Advertisements