قلق التأثر في ديوان (نهّام الخليج الأخضر). د.فاطمة الوهيبي

قلق التأثر في ديوان: نهّام الخليج الأخضر

دراسة نشرتها تباعاً د.فاطمة الوهيبي في زاويتها (رفيف) في صحيفة الجزيرة

raf

(1)

أول قصيدة في الديوان بعنوان (فاتحة النهر) تبدأ بعهد (لنتفق). وفحوى القصيدة تقول: نعم في الدنيا خواء ورماد, ولكن (ليس في كف الحياة سوى الحياة)؛ لأنها (وإن لبست رمادًا فالقادم جمر).

هذه الافتتاحية تبدأ بسوداوية تريد أن تقول: أنا واعٍ بما يجري وأعرف واقع الحياة، ولست أحلم, ولكني أعاهدك، أيها القارئ، بأن القادم سيكون جمرًا. ولا يعني الوعد الإحالة إلى الفرد (أحمد العلي) أو الشاعر فيه ولكنه قول يرفع راية الفأل، راية الشباب، راية الغد التي تَعِد بالمستقبل القادم الذي يتأجج من تحت الرماد, لكن ماذا يعني هذا الافتتاح بهذه الدلالات؟

ذلك يعني أن الشاعر منحاز إلى أن الفن يشارك، ويغير، ويؤجج، ويزيح الرماد؛ ليتوقد ويضيء، فالجمر هنا لا ليحرق وإنما ليفعل ويتفاعل.

إذًا هل مصادفة أن ثاني قصيدة في الديوان تحمل عنوانًا هو: (الشاعر)؟ من الواضح أنها وضعت هناك بعناية لتقول في مفتتحها إن لغة الشاعر حجرٌ قُدّ من ماء. وليتحقق للشاعر ذلك عليه أن يستمع منذ البداية إلى سلسلة وصايا أو فلنقل سلسلة دروس وتعليمات.

وبغض النظر من هو الحكيم أو الموصي هنا؟ ومن هذا الصوت الذي يدخل الآن ليلقى بيان الوصايا؟ لنتأمل هذه النصائح الافتتاحية للشاعر:

1- لا تهادن.

2- ليكن حرفك كامل التعب مثل حبة عرق أو وصية ميت.

3- عليك أن تجعل الورق طينًا في يدك.

4- عليك أن تبحث عن النقيض لا المتشابه.

5- عليك أن تعيد ما احترق.

وهذه وصايا تتناغم مع قصيدة (فاتحة النهر) التي افتتح بها الديوان ومع العهد المعلن السابق المذكور بأن يكون القادم جمرًا. ولكن أية وصايا هذه؟

هذا النوع من الاتفاق والافتتاحيات والوصايا يجعلنا نتساءل: أمن شأن الشعر والشاعر أن يلقي ببيان أو خطبة أو حتى مشروع انتخابي؟ وكأنما هو مثقل بمهمة خطيرة يعلنها لمن حوله كهوية أو بطاقة مرور. وقد يبرر ذلك أن الشاعر شاب يقدم أول أعماله وهو يحمل توترًا وقلقًا سأتوقف عنده لاحقًا، لكن هنا في سياق الحديث عن الوصايا وعن افتتاحية الشاعر أقول إنه من الواضح أنه يحمل هاجس الإعلان عن ما يعتقد أنه دور للشعر. وهو دور – كما يبدو- يتعدى الجانب الجمالي إلى الدور الوجودي في الكون؛ فهو يوقد الرماد، ويعيد ما احترق.

(2)

تساءلت في آخر المقالة السابقة: أمن شأن الشعر والشاعر أن يلقي ببيان أو خطبة في افتتاحيات ديوانه؟ وكأنما هو مثقل بمهمة خطيرة يعلنها لمن حوله كهوية أو بطاقة مرور. وقلت: قد يبرر ذلك أن الشاعر شاب يقدم أول أعماله وهو يحمل توترًا وقلقًا، ومن الواضح أنه يحمل هاجس الإعلان عن اعتقاده بأن دور الشعر يتعدى الجانب الجمالي إلى الدور الوجودي في الكون.

ومن الواضح أن هذا القول يعكس الاعتقاد بأن الشعر يحمل رسالة أو التزامًا، وينبئ عن إحساس عارم بضرورة أن يكون للشعر دور في المرحلة المقبلة أكبر مما كان له في المراحل السابقة، تلك المراحل التي يرى الشاعر أن الشعر احترق فيها وترمد كما تشير عباراته. وهو يرى أن على الأجيال الشعرية الشابة أن تعيد صنع الأنقاض، وترمم الدمار الوجودي والجمالي. وعليها ألا تهادن، وأن تخرج من التقليد والتشابه حتى (تكتنه النقيض) في هويتها الجمالية كما يقول. وهذا البيان الشعري الذي تحدثت عنه في المقالة السابقة فادح وصعب، ويشير إلى وعي بالإرث الثقيل وبأهمية الدور الذي ينوء به، مع انعكاس واضح لقلقِ تأثرٍ كبير يقوم منذ البداية على نية الاختلاف، ومناوءة سوءات ذلك الإرث بسوداويته وهزائمه.

ولذا أحسب أن هذين البعدين (بعد السواد والدمار الذي يغلف العالم والبعد النقيض الذي سيوقد الجمر ويعيد ما احترق) سيكونان بالضرورة الجناحين اللذين سيحلق بهما أحمد العلي، وسيكونان الهم الشاغل الذي سينضم عقد هذه النصوص.

يقول في القصيدة الثالثة (عيون الضباب):

« قامَةُ البحرِ مكسورةٌ..

والأرضُ قَتَلوا غناءها

……..

………

و إنّي مُتنَبِئٌ:

الآتي غرابٌ أبيض

يلوّنه الأطفالُ باسمين..

وإني مُدارٍ شمعة الأرض بجناحي

علّها

تُنيرُ في خطوي

حروفَ دواتي..» (1)

فها هو البحر بقامته المكسورة وها هي الأرض التي قُتل غناؤها كلاهما يرفضان السواد في روح الشاعر، ولذلك فغراب المستقبل في القصيدة سيكون مختلفًا بلونه الأبيض، وسيداري الشاعر شمعة الأرض بجناح الشعر.

هذه روح متفائلة مصرة على حماية الأرض وتحويل خرابها إلى حياة، وإحالة ظلامها إلى نور يستلهم منها أحمد العلي في القصيدة الرابعة (فقه الليل) جذوته، حيث غضاضة الروح تحاول تعليمنا درسًا من الظلام، فليست العتمة مرادفة للموت، فخلف الظلمة إشراق؛ وهذا هو الفقه الحقيقي.. لذا يدعونا الشاعر للتأمل ويقول:

«يا قوّة الله!

أُسامِرُ صدرَ نوحٍ لأعرف

من أينَ لأخشابه هذا الجَلَد..

وجه ظُفار

ومهيار

وجوهَ الأرض الغائبة

وأسألُ:

متى إذن نوقد النار؟» (2)

هذه الروح الجافلة من الاستكانة تشيع كذلك في القصيدة الخامسة (شاهق النفس) بادئًا إياها بصيغة المخاطب الذي يُستحث، وليس الذي يُستحث سوى أنا الشاعر، يقول:

«غُص يا شاهِق النّفَسِ

مُكتنـزاً كُلّ الرياح العاتية..

ليس لأناملك

أن تربُتَ – الآنَ – على كتف المشيب»(3)

(3)

يبدو الشاعر أحمد العلي كما أشرت في المقالة السابقة مؤمنًا بأنه على الشاعر ألا يتوقف وألا يتلبث؛ فالرقصة الوجودية والرقصة الشعرية الجمالية القديمة عليها أن تنتبه لعشبة الحياة التي تضيء للفراش، وعلى الفراش أن يضطلع بمهمته!!

«عُشبَةُ الحياةِ تُنير فراشها لرقصتك القديمةِ»

تلك الرقصة الشعرية القديمة المؤرقة للشاعر لا بد أن تُستعاد لغتها بروح جديدة، تلك الرقصة وتلك اللغة التي خبأها جد سحيق في جوف الأرض، حتى وإن كان صرير مائها لغة لم يشهد هو قراطيسها (ينظر قصيدة يا هجر) ولعل في ذلك ما يفسر أنه يظهر في قصيدة (ظفار) بعد قصيدة (يا هجر) الجد الشعري مختبئًا خلف روح النص، وفي موجها. وهنا يظهر الشاعر الكبير محمد العلي في وعي أو لا وعي نص أحمد العلي، وفي هذا المقطع من (ظفار) حيث تلوح رموز قصيدة محمد العلي (لا ماء في الماء) واضحة في هذا المقطع؛ حيث يقول:

« أسرجي الخيلَ التي سرّحها آباؤنا في الموجِ

خبيئةً

ثُمَ اخطُري لي

ها أنا ذا

كُلّما تغضّنَ وجهُ الصُبح فوق أجنحتي

سرقتُ له الندى من كفوف الحجر

و ها أنا ذا

كُلّما احدودبَ ظهري

زرعتُ فيه نخلةً

وشيّدتُ منارة «(4)

وإذا كان قد لاح قلق التأثر والرغبة في تجاوز -حتى لا أقول قتل- الأب الشعري في قصيدة الافتتاح وفي القصيدة الثانية المعنونة بـ(الشاعر) حيث يقول:

«وقُل للورق: أنتَ طينٌ في يَدي..

أكتنهُ النقيضَ بوجهكَ

وأُعيدُ ما احترق».

فما ذاك إلا لأن أحمد العلي – وإن أهدى ديوانه للشاعر الكبير محمد العلي معتبرًا إياه النهر الجوفي – يرى أن طين الشعر وإن كان إرثًا مشترك المعنى إلا أنه أيضًا إبداع فردي، وفي هذا الضوء يمكننا أن نفهم ما كتبه على الغلاف الأخير للديوان حيث راح يشرح معنى كلمة نهام في نوع من الإضاءة على الدلالات المختلفة لمادة نهم والتي يختتمها بقوله: «يا ابن منظور: ليس الشاعر من يجد لسفينته محيطًا بل الذي يحفر محيطه بيديه حقًا، المعنى خلق واللغة موروثة».

(4)

لعل هذا القلق من الأب الشعري والجد السحيق للغة والشعر هو الذي يجعل الشاعر ينحاز لبيانه الشخصي حول لغة الشعر ومهمة الشاعر، وهذا الذي يفسر أنه اختار عنوان ديوانه (نهام الخليج الأخضر) فالنهام من نهم الحصى أي قذفه. ألم يقل في قصيدة (الشاعر) أن لغة الشاعر حجر قُدّ من ماء؛ ولذلك فمن شأن الشعر والشاعر أن يصرخ بمائه. كذلك ضمن معاني النهام أيضًا (الصراخ والنداء) وهذا يستجيب للبعد الملتزم لوظيفة الشعر التي أعلن عنها أحمد العلي في عدد من النصوص؛ وهي وظيفة تصرخ وتنادي للتغيير والتأثير، ولكن على طريقة صراخ الشعر ونداءاته التي تقذف بحصى الشاعر المائية!!

ونلاحظ كذلك في هذا السياق ارتباط كلمة نهام بالخليج في عنوان الديوان، وهو ما يستدعي مباشرة أبًا أبعد من (محمد العلي) وهو (السياب) فإذا كان النهام هو الشاعر الضاج بصراخه ونداءاته فذاك يستدعي من بعيد قصيدة السياب (أنشودة المطر) حيث يقول:

« أصيح بالخليج

يا خليج

يا واهب المحار..»

ولعل روح السياب المطلة من بعيد، تطل من جهة جرح الخليج؛ وجرح الحلم الذي اتسع على الراقعين من الشعراء من بعد السياب ومحمد العلي وغيرهم من الشعراء الكبار، فهل سيفلح جيل شعري جديد بالاستعاضة بيفاعة الشعارات والمقولات أو بالنص القائم على مضمون الفأل والعزيمة على أن يلأم ما اتسع من جراح الحلم الوجودي والشعري؟ فلينظر القارئ معي في سياق ما تقدم إلى دلالات برعم الوقت، والنظر إلى الخلف، والعبور المميت المضيء لمن مضوا بلا أثر في قصيدة:

(الخزامى) حيث يقول:

« بُرعُم الوقت ينحَلّ

وأنا صدرُ سفينةٍ

كُلّما مخرتُ ماءً

مسّني أمَلٌ من تقاطيع الخُزامى

وأنظرُ خلفي

لا أرى لهذا العبور المُميتِ

المُضيءِ من أثر

أأدَعُني؟

قَرِّبا مربطَ الموجِ مني. «

ها هو الشاعر المأزوم بمهمة مستحيلة عليه أن يجر إليه الصحارى حاملاً (أمل تقاطيع الخزامى) وهو متجه يمخر موج الخليج/ الحلم وموج الحياة برًا وبحرًا!! أيمكن أن يتخلّى عن حلم الخارطة وهو يرى الفشل الذريع لذلك العبور المميت المضيء لمن تقدموه وقد ضاع بلا أثر؟ لكن أليست هذه هي لعبة الشعر تحديدًا: إن ما يثبته من جهة ينفيه من جهة أخرى! فلو كان العبور لمن سبقوه بلا أثر لما رآه شاعرنا الحالي ولما التفت خلفه!! والشاعر لن يستدعي ناقة أو جملاً من جديد لتوصله إلى نهاياته الكريمة!! بل سيقرب مربط الموج، وسيركب الموج لمجابهة نازع السواد والفناء. وربما كان في البعيد من رمزية الموج هنا موجة الشعر كذلك. أليس من حق شاعر ينشر ديوانه الأول وتجريبه الأول أن يحلم أو يدعي؟ ربما.

(5)

رأينا في المقالة السابقة كيف أن الشاعر لم يمكنه أن يتخلى عن حلم الخارطة وهو يرى الفشل الذريع لذلك العبور المميت المضيء لمن تقدموه وقد ضاع بلا أثر؟ فلو كان العبور لمن سبقوه بلا أثر لما رآه شاعرنا الحالي ولما التفت خلفه !! والشاعر لن يستدعي ناقة أو جملاً من جديد لتوصله إلى نهاياته الكريمة !! بل سيقرب مربط الموج، وسيركب الموج لمجابهة نازع السواد والفناء. وربما كان في البعيد من رمزية الموج هنا موجة الشعر كذلك.

هكذا إذًا يختلق أحمد العلي بضاغط من قلق التأثر أبًا شعريًا أو أحد الأوصياء يحاوره، ويناوره، ففي قصيدة (رفض) التالية مباشرة لقصيدته التي تحدثت عنها في المقالة السابقة يقول:

“ كلا

لا تُعلّمني كيف أُحَنّطُ الشمسَ، لا

ولا الغوصَ في بُحيرات الزبد..

أنا أصبو،

أنا أرنو،

وتتراكضُ فيّ أشرعةٌ

ويُشعشعُ زهرُ… “(6)

إلى أن يقول:

“و أعقدُ الآن حاجِبَيّ

تجاعيدُ جبينيَ

آيةٌ عربيّةٌ

وفي ماء عينَيّ

يشتعلُ الحطب. “(7)

نعم التجاعيد آية عربية مبينة كما يقول، لكنه سيشعل حطبًا من ماء عينيه. وهذه التجاعيد العربية هي إرث مثل إرث جلجامش أيضًا، الذي يقول عنه:

“ إرثُ جلجامش فينا

سؤالٌ يتيمٌ

لا أجدُ عن صبواته مَفَرّاً

ألكُزهُ كُلّ بَدرٍ

لأعدو وأعدو.. “(8)

تلك رسالة الشعر التي على الشاعر أن ينهض بها من الرماد. يقول :

“ قُل لي أيّها الشّاعر

ما الشّعرُ إذا لم يكُن شَبكاً

نصيدُ به الموجَ

ليركض في بيوتنا… “(9)

ويبلغ إصرار الشاعر مداه في مناهضة السواد ومناوءة الدمار والشغف بفكرة البعث من جديد في القصيدتين الأخيرتين من الديوان خاصة في قصيدة ( أرجوحة المقبرة ) التي تدعو القارئ للتساؤل عن نوع المقبرة التي تحوي أرجوحة؟ وهو ما لا يحتمله الواقع ولا يتوقعه القارئ. وهذا ما يفعله الشاعر ليجعل القارئ يبحث عن هذا الوضع الغريب والاستثنائي في المقبرة ، فلمن الأرجوحة؟ ومن يتأرجح أو يتسلى بها؟ هنا يثور مع عناقيد الغبار فيها والثرى قلق الأسلاف والآباء كأوضح ما يكون فهؤلاء الذين مضوا ما زالوا يلهون ويتأرجحون مقبلين مدبرين.

(6)

في قصيدة (أرجوحة المقبرة) التي تدعو القارئ للتساؤل عن نوع المقبرة التي تحوي أرجوحة؟ وهو ما لا يحتمله الواقع ولا يتوقعه القارئ. وهذا ما يفعله الشاعر ليجعل القارئ يبحث عن هذا الوضع الغريب والاستثنائي في المقبرة، فلمن الأرجوحة؟ ومن يتأرجح أو يتسلى بها؟ هنا يثور مع عناقيد الغبار فيها والثرى قلق الأسلاف والآباء كأوضح ما يكون، فهؤلاء الذين مضوا ما زالوا يلهون ويتأرجحون مقبلين مدبرين، حركة هؤلاء الأحياء/ الأموات في علو وانخفاض تثير مخيلة الشاعر وعزيمته فيقول:

«في علوّكِ

ما يجُرّ الموت لاخضرار الغسق

وما يُعلّق نورسةً

تُغَنّي على رسلها

في عنق الفضاء..»(10)

ولكن الشاعر يرى أن حركة الإرث المجازية المتمثلة في الصيغ والقوالب المتكررة ما زالت قائمة في الواقع وتحول المشهد إلى مقبرة حية، حركة الإرث في أرجوحتها تمثل قطب علو وقطب انحدار.

وإذا كان هذا ما يفعله قطب العلو من هذه الحركة فما الذي يفعله قطب الانحدار؟ إنه الاكتساح الذي لا يهمل الصباح ولا اللحن المسجى في اصفرار الورق، الاكتساح القوي لليفاعة والغضاضة التي لم تأخذ بعد حقها في بواكير الحياة؛ لذا منذ مطلع القصيدة يصرخ الشاعر بهذا الإرث/ العبء بهؤلاء المتنافسين الذين يضغطون على أعصاب الشاعر ووتره الشعري:

«بِرّاً بهذا الصباح

بِرّاً بالثرى

بعناقيد الغبار التي ما فتئت مُقمرة

تنفّسي أرجوحةُ المقبرة

ما غادرَ الطفلُ عُمرَه

واللّحنُ المُسجى في اصفرار الورق

يتقافزُ حَرفًا فحَرفًا». (11)

اللحن المسجى في اصفرار الورق لم يأخذ دوره بعد لأن علو أرجوحة المقبرة يجر الموت لاخضرار الغسق ويقيد أجنحة نورسة تغني على رسلها لذا يجأر النهام بالنداء لهذه المقبرة:

«برّاً بهذي الحياة البسيطة

برّاً بالجنى

بالرّصيف الذي

يُصادف العابرَ بالعابرة

غمستُ جناحي في المحبرة

تنفّسي

أرجوحةُ المقبرة». (12)

أما كيف يمكن للمقبرة أن تتنفس؟ فهذه هي مخيلة الشاعر التي ربطت المقبرة بالمحبرة، وجعلت الريشة جناحًا ما إن يغمس في المحبرة حتى يفتح القبر ويخرج الحرف المسجى في اصفرار الورق. وهذا التنفس هو البعث الذي يجعله حلمًا لقصيدة تريد أن تجدد، وأن تتبع أثر الآباء, وتتجاوز ما عجزوا عنه!! تلك مقولات الديوان وشعارات الشاعر فهل حققها أو سيحققها؟

من المبكر الحكم على ذلك وهذا الديوان يمثل أولى خطوات الشاعر، ولكن من المهم وضعه في إطاره من تلك الأحلام المشروعة والتأمل فيه من خلال منظور قلق التأثر وهاجس قتل الآباء أو على الأقل تحييدهم أو تجاوزهم!!

** ** **

هوامش:

1- نهام الخليج الأخضر (الدمام، مطبوعات، نادي المنطقة الشرقية. ط. الأولى 1431هـ- 2010م) ص11

2- المصدر السابق ص12

3- المصدر السابق ص13

4- المصدر السابق ص16- 17

5- المصدر السابق ص21

6- المصدر السابق ص22

7- المصدر السابق ص23

8- المصدر السابق ص29

9- المصدر السابق ص95

10- المصدر السابق ص 95

11- المصدر السابق ص96

12- المصدر السابق ص

http://www.al-jazirah.com/culture/2013/02112013/fadaat6.htm

http://www.al-jazirah.com/culture/2013/16112013/fadaat12.htm

http://www.al-jazirah.com/culture/2013/30112013/fadaat18.htm

https://www.al-jazirah.com/culture/2013/14122013/fadaat19.htm

http://www.al-jazirah.com/culture/2013/28122013/fadaat18.htm

http://www.al-jazirah.com/culture/2014/11012014/fadaat15.htm

Advertisements