قفصُ هانيبال – Museum of the Moving Image

Untitled

http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20140125/Con20140125672270.htm

(1)

– أهلاً فرانكنشتاين، إجلس من فضلك.

+ …

– قُل لي: هل أنت مؤمن؟

+ لم يعُد بإمكاني الحديثُ مع الله قبل النوم، كالعادة.

– هل أنت مؤمن؟

+ لا. و إذا كنت تسجل هذه المحادثة، فلن يظهر صوتي في الشريط، كما أنني لا أرى وجهي في المرايا.

– قيل إنك برومثيوس الحديث، لا يبدو عليك هذا؛ تعرجات الجلد حول عينيك تستضيف العتمة.. لم تحمل طفلاً يوماً، هذا ما تقوله رعشة يدك، وثيابك لم تغيرها منذ علقت بها رائحةٌ ما (يُغمض و يستنشقُ الهواء بعمق).

+ ذلك لأنني عكستُ اتجاه المطر عندما فتحتُ الباب لتدخل الشوارعُ البيت. لم أنتبه إلا و عيني تمتلئان بالدم، امتلأ رأسي وقميصي، امتلأت الغرفة، امتلأ العالم. وأنت، ماذا فعلتَ لتسرق -بخفّة النشّالِ- طمأنينة الناس، هكذا؟

– كنتُ أصنعُ كمائن واضحة لهم، واضحة كرأس الشمس مرفعواً على عصا.. مثلاً: أضيء إشارة المرور الخضراء، أسمحُ لفاتنةٍ أن ترمي عقب سيجارتها الملثوم بحُمرتها ليسقط على قدم رجُلٍ حزينٍ، وطفلٌ يلهو من نافذة غرفته.. تصرخ المرأة، يجفل الطفل، والرجل مدهوساً تحت عربة. لكن لم يكن الكمينُ هنا، هو في الهواتف الثلاثة التي ترن: حقيبة المرأة، جَيبُ الرجل و صالة الشقة، في صوتي الحاد الذي يجيب عليها كلها في وقتٍ واحدٍ: أترك رسالةً للعدم.

+ تأخذ من الحياة -غالياً- ثمن قبحها، كأنك عازف تشيلو عجوز ليس له في الحفل سوى أن يضرب وتراً واحداً لثانيةٍ واحدة في معزوفةٍ سريعة. كأن هذا كله ليس من صنيع يديك وعينيك.

– أحاول الاستمتاع، لا أكثر (عينه اليسرى ترمشُ، نصف مغمضة ويبتسم).

+ تستمتع فقط بالتصفيق للأشياء التي لا تستطيعها؛ تنتفض لرؤية طفلةٍ تمسحُ شعر دُميتها، لا تنامُ لأنك لم تُفسد حلبة الرقص في فيلم (إنهم يقتلون الخيول، أليس كذلك؟).. ترسمُ على عُلَب المالبورو أشكالاً كالتّعب الخام لأن حوصلة الطائر ليست من صفاتك.. ضرباتُ قلبك هادئةٌ دوماً، و تسعى لقلب الأميرة.

– برافو، فرانكنشتاين.. هذه تذكرتين لدخول الحياة، تفضل.

+ أخرجني من هذه الحكاية (يصر بأسنانه).

– لو مددتُ لك يدي، هل تضعُ فيها مفاتيح بيتك؟

+ بيتي لا سقف له، تنزلُ النجومُ فيه كُل صباحٍ، تُعد لي الحليب و تُحمّصُ الرغيف الأسمر.. ولا علاقة لي ببيتك الأسود، بناهُ لك البكاءُ عندما خلقته ليومين على هيئة رجل، لم تكن كريماً حتى في هذا، لو أنك لم تأخذ من وقته لطاف بنا وعلّمنا وبخّرنا و وسّدَ رؤوسنا و واسانا.

– كم امرأة يخطر على بالك ان تعاشرها كل يوم؟ أو كم رجل؟

+ …

– أنظر لعيني: ماذا ترى؟

+ لاشيء.. لاشيء حقاً.. ربما جزيرةٌ بعيدةٌ تُربّي أحلام المغامرين، تفتل قلوباً دعكها ليلُ الأسئلة.

– (يقهقه، و أجراس الصدى تحمل الصوت بعيداً كدوائر في بحيرة من هواء)

+ (يُفكّر و كفّه تنز عرقاً بارداً)

– مأساتي أنني لستُ معروفاً في الجوار، إذ لا أحد جواري. أرضكم هذه ممرٌّ ضيّقٌ و موحشٌ في الكون، تضيؤونه بقناديل لا أحبها أحياناً؛ الحُب الأوّل، خلود الأب، الشِّعر، و غيره.. لهذا أفسد تُربتكم كلما استوحشتُ مكاني إذ لم أسمع سوى صرير هذا الكرسي.. الصريرُ أبو الأصوات كلها، هل تعرف ذلك؟

+ لا.. وبدأتُ أنفد.

– لم أكن أعلمُ بوجودكم في الحقيقة، حتى لمستُ ذبذبةً عابرة لم أخلقها، أول ذبذبة شقّت الفضاء بعيونٍ واسعةٍ فاستأنس وحشُ الكون الأسود، كان الفضاءُ فضاءً..

+ كيف لك إذاً أن تُملي عليّ عجزك وأنت تخافُ شجر الرُمّان الطالع من صدري؟ خُذ كيس العقاقير هذا (يمُدُ يده).

– (ضارباً اليد الممدودة): ماهي أسوأ ذكرى لك في طفولتك؟

+ (يتبخّرُ العالمُ من حوله كالمياه): إن كانت الطفولة تُقاس بالتجربة، فلقد كنت طفلاً حتى دخولي الجامعة.. بدأتُ بسماع دقات ساعاتٍ غريبةٍ، كانت مواقيتَ للتو تصل. ثياب سوداء تخرج لي من المجارير، وغيمة تشبه وجهاً ما تصطفيني بظلها الخفيف.. (يسمعُ دقات ساعات غريبة).

– (مُنصتاً كما لو أنه يتذكّر أو ينام..)

+ كنتُ رقيقاً كصفحة ماء، مليئاً بأسباب الجمال مثل تسريحة عروس أو علبة ماكياجٍ باهظة.. وعلى مهلي، أكتب وأتحدث كمن ينتخب نبيذاً لليلة حب.. لكن ذئباً نسي أن يعوي تلك الليلة، أنا أحفظهم واحداً واحداً، أعرف مخابئهم ومداخل وديانهم، أعرف عيونهم المحمرة من الحزن والفتك.. أعرفها لأنها تشبه عينيّ تماماً.

– ثُمّ قتلتَ المرايا..

+ ليس من السّهل أن تكون إبناً (يرتعش)..

– …

+ ذهبتُ لزيارة جدي في المستشفى، ورأيته على سرير أبيض في كيس مغلق.. دفعته بيديّ هاتين إلى ثلاجة الموتى. كان جدي كورليوني (The Godfather).. نأتيه باحثين عن العدالة والحب، يهبُ بيدين عاريتين ليجعل صورة العائلة مكتملة. آه..

_ …

+ تُظهر بعض الشفقة؟ هل تظن أنك تستطيع استدراجي بهذه الابتسامة السخيفة؟

– هل كان جدك يُرى من بعيدٍ كعلم؟ هل كان يخدّر الشايَ في حضنه عندما يشتد الشتاء و تُدفء الناسُ جواربها؟ هل كان لجلده رائحة عتيقة كدمعة دهن عودٍ منسية؟

+ …

– بعد موت جدك كنت منهاراً كأصابعٍ سقطت عليها مطرقة.. ثم ماذا؟

+ لماذا عليّ أن أعامل الناس بطريقةٍ أقلُّ دكّاً من مطرقة الحياة على أصابعي؟ لماذا؟ (يبكي)

– أين تخبئ عن الناس وحوشك؟

+ في الكتب (ينهار).

– هل تعبت؟

+ دعني أنامُ الآن.

– حسناً، لا تنس أن تُصلح تلك الساعات الغريبة: تك تاك.. تك تاك.. تك تاك..

(2)

منذُ أن كنتُ ألهو بلُعبة أدوات الطبيب وحتى الآن، لم اُدرك أن اللعبة ليس لها معنى سوى ضراوة الوهم أو عَسَل المستحيل.. معناها في البعيد الذي يتصرّفُ كأنه لا يرانا.. في الكائن الذي كنا نريده لأنفسنا، الكائن النحلة، والكائن الأسد.

هكذا تبدو السينما (الصور المتحركة) ذاكرة الرّب، أكبر لعبةٍ في الحياة، عينُ الصائغ التي يغرس فيها عدسةً مكبّرة بأنامل اخشوشنت لفرط العقيق والجن وأماني العجائز.

سأفهم لو أن في الفيلم سوب-تايتل.. لو أن هذه الكاميرا الواقفه بثلاثة أقدام وعين واحدة، وحش الاستوديو، لم تصغر يوماً بعد يوم. في متحف الصورة المتحركة (THE MOVING IMAGE) في نيويورك، رأيت أستوديو الخليقة و أدوات المهنة الباهرة.

لو أن للذاكرة مبناً يُزارُ و يلهو الإنسانُ في جنباته، لكان هذا المبنى.. أبيض الجدران و الممرات و الأسقف، كل شيء أبيض حتى المصاعد، أبوابها و أزرارها.. و يبدأ هذا البياض كله بشاشات عرضٍ لمشروع المغني جوني كاش؛ أن يُصمم المعجبون به فيديو لأغنيته المعروضه (لا قبر يحتويني) من خلال موقع الأغنية على الإنترنت بطريقة ما. من هنا يدخل المعرض باب السينما من فن الغناء؛ إتجه المغنون بعد انتهاء فترة الأفلام الصامتة لتمثيل الأفلام والغناء فيها بدءاً من ذاك الرجل العبقري الذي استلهم من لوحات رسام مغمور في نيويورك فكرة إظهار صوت قطار نيويورك بخلفية جاز في أحد الأفلام. بعدها تغير مفهوم الغناء المصور لتصوير فيديو خاص لكل أغنية بحيث لا يكون الفيديو قصة أكثر منه تعبيراً عن الأغنية و أجوائها.. تنافس المخرجون في إخراج جنونهم حقاً هنا، فالفيديو يعتبر قصيدة أكثر منه رواية (فيلم)؛ لقطات سريعة، غير مترابطة غالباً وتحمل أجواءاً قد تتناقض تبعاً لمزاج كلمات الأغنية وألحانها. كل ذاك حدث هنا، في مصنع شارع ال Broadway الذي يقدم إلى الآن أفضل عروض العالم الموسيقية منذ إلفس بريسلي و فرقة البيتلز.

(3)

تصعدُ للطابق الثاني عبر درجٍ مستقيمٍ كأنّه قناة، كأنك تسير من داخل كاميرا نحو العدسة، تطرقها كالباب فينفتحُ العالم؛ حيطان البورتريه.. تحمل صوراً موقعة لأشهر فناني الأفلام الانجليزية في فترة الأبيض و الأسود: شارلي شابلن مثلاً.. يجاوره رصيفُ أقنعة الحياة، أقنعة تم صنعها على مقاسات وجوه بعض الممثلين، أنتوني كوين، آلباتشينو و مارلون براندو (الجد كوليوني) في (The Godfather)، قناع جيم كاري الأخضر (THE MASK) سريعٌ وخاطفٌ كما رأيناه، و حاجيات كثيرة من فلم ستيفن سبيلبرغ الأسطوري حرب النجوم..

بعد زاوية كتاب السيناريو، خطوط اليد والطابعة وجداول أدوار الممثلين، فيلم (THE TAXI DRIVER) مثلاً، ندخل لزاوية فيلم صمت الحملان (THE SILENCE OF THE LAMBS)، فيلم أنتوني هوبكنز في شخصية الدكتور النفسي العبقري هانيبال ليكتر الذي يحتاجه الناس لكنهم يخافونه.. الفلم الأخّاذ، الفاتن و الخانق مدى الحياة.. سكيتش لضحية هانيبال آكل البشر معلقة على قفصه بقفصٍ صدريٍّ مفتوح و منشور على شكل جناحي فراشة، الفراشة التي تنتقل من قبحها في شكل اليرقة إلى أناقتها في شكلها الأخير، محاولات الإنسان الأبدية نحو الجمال.

سكيتش لقفص هانيبال وتجسيد خشبي مصغّر له.. القفص الذي يجلسُ فيه قارءاً كتاب شعر على طاولة فيها قلم فحم و رسومات لمدينة فلورانس و موسيقى تعوم حوله.. قفصُ الاعتراف، قفصُ الرّب والغائبين وكل من نحدثهم دون سماع جوابهم.

(4)

هذه تصاميمٌ خشبية مصغرة لأقدم وأشهر صالات السينما في نيويورك؛ كيف تطورت من كونها مسارح للتمثيل أو الأوبرا إلى وصولها لشكلها الحالي. أول صاله مخصصة لعرض الأفلام فقط كانت في شارع ال Broadway عام 1913م، بها بدأت بروشورات و إعلانات الجدران للأفلام الجديدة وحتى اقتحام علب البوب-كورن و كوكاكولا تلك الصالات وبقائها للأبد.

أتصفّح نفسي الآن، تتفتح مسام جلدي نافذةً نافذة؛ هذه الكاميرات الثقيلة كمراسٍ هي من التقطت الجبل البعيد دوماً في أفلام الكرتون، حبسته بألوانه الحقيقية في بكراتها.. كان أول فلم متحرك أنتجته (موشن استوديوز) لرجلين يتصارعان مثل لعبة (تكن) بطول سبعة دقائق عبارة عن صور ثابته تتحرك بسرعه، مأخوذة من فكرة الكتاب الذي تطوي أوراقه بسرعة لتتلاحق الصور منتجتاً مشهداً متحركاً ينتهي عندما تصل لآخر صفحة من الكتاب الصغير (هكذا بدأ شارلي شابلن)، هل تذكر الكرت الدائري المرسوم على جانبه الأول طير و الآخر قفص؟

الكاميرات الواقفة بأشكالها العديدة كالبشر، رؤوس خشبية وحديدية، سوداء و بنية، تلك عدسات رأت الكثير.. شرائط الصور الغير محمضة داخلها.. المايكروفونات و تطورها.. صناعة الموسيقى التصويرية وتركيبها في الفيلم، الإضائة، تلوين الأفلام باللعب في العدسات، كرسي المخرج و الكاميرا على سكّةٍ حديدية لنعومة التصوير، أدوات الانتاج، القطع واللصق و آلاته.. التلفزيونات بأشكالها البدائية الغريبة و شاشات دائرية كأنها نوافذ باخرة، البروجكترات بعيونها الوحيدة المطيعة.. ماذا أفعل بكل هذا؟ ماذا أكتب؟ عليك أن تسير في هذه الغابة، لا أستطيع كتابة الألوان، ولا الأصوات، ولا الرّعدة.. لولاها ما كنا عرفنا تلامس الأصابع الخجل في رقصة رومانسية، شعور النساء الطائرة، مروج الأخضر، مروج الأزرق، أدواتُ المكيدة والأرواح المعذبة.. كل شيء، كل شيء.

(5)

ينتهي المتحف بمعرض لشاشات ألعاب الفيديو، الشاشة المتفاعلة.. التحكم بالصور الظاهرة عليها.. ابتدأ ابتكارها في 1972م عبر ألعاب المنزل.. لكن شركات مثل أتاري و كاتريدج و نامكو و سيغا و ناينتندو اليابانية في لعبة ماريو التي اعتبر مصممها في عالم ألعاب الفيديو عبقرياً كفرقة البيتلز في عالم الموسيقى.. تلك الشركات لم تكتفي بعالم الألعاب المنزلية، بل ابتكرت الألعاب العامة، مكنات ألعاب بأزرار و شاشة كبيرة و أيادٍ آلية تلعبها مقابل أموال تودعها فيها، انتشرت في المحطات و المجمعات و المطارات، الفنادق و أماكن المتعة العالمية في لاس فيغاس.

(6)

يقول الغائب لك: تأخذون لي صوراً كثيرةً
لاتعرفون أن ذريعة غيابي تدفعكم لي..
لكنني أنا من يأخذها لكم؛
لأراقب نموّكم،
لأعرف أخباركم،
لأنظر لأعينكم كلما دمعت إحدها ناظرة لصورتي..
أتبعكم واحداً واحداً
أنا من يأخذ لكم الصور،
لا أنتم.

(7)

يقول الغائب لك: أمك ربّة التوابل،

طاهيةُ السّحر

و منجّمةُ الخوف والأمل..

يطفو قلبها في الهواء كطيرٍ شفيف

يعبر البحار في البرد ليطمئن عليك، ويغفو قليلاً.

أمك حبيبةُ القطن، و ريحان مفرق الرأس، و صوت الخلاخل من بعيد..

تتأمّلك من فجوةٍ في السقف ثقبتها حمامةٌ لها:

– ما بالٌ الأرض مبلولة؟

+ تلك الفجوة في السقف كانت تدمعُ طوال الليل..

أمك الله؛ زوّادة الغريب، قِماشَةُ الليل

و ضفيرةُ حُبك المعقودة على جنب..

IMG_4518.jpg IMG_4804.jpg IMG_4801.jpg IMG_4788.jpg IMG_4781.jpg IMG_4766.jpg IMG_4748.jpg IMG_4724.jpg IMG_4713.jpg IMG_4618.jpg IMG_4602.jpg IMG_4706.jpg IMG_4702.jpg IMG_4697.jpg IMG_4621.jpg IMG_4626.jpg IMG_4599.jpg IMG_4596.jpg IMG_4590.jpg IMG_4585.jpg IMG_4584.jpg IMG_4583.jpg IMG_4571.jpg IMG_4569.jpg IMG_4572.jpg IMG_4580.jpg IMG_4567.jpg IMG_4559.jpg IMG_4563.jpg IMG_4557.jpg IMG_4549.jpg IMG_4554.jpg IMG_4546.jpg IMG_4543.jpg IMG_4541.jpg IMG_4537.jpg IMG_4536.jpg IMG_4657_thumb.jpg IMG_4657.jpg IMG_4525.jpg IMG_4519.jpg IMG_4658.jpg

Advertisements