صورٌ تتقطّع كأنفاس المريض – Drawing Center: Life of Pi Exhibit

84896

أحمد العلي – نيويورك

http://www.okaz.com.sa/new/issues/20131228/Con20131228665243.htm

(1)

بعد قرونٍ من محاربة الناس للشر، عمّ الخير، فتحت الطّيبةُ عينيها، و صار فنّاً أن تُخرج الشرّ من داخلك في المسارح و الأفلام و التماثيل.. صارَ الشرُّ نادراً نُدرةَ المعدن الكريم، صار الشرُّ حائك المشاعر و الصرخة و تصفيق الإعجاب.. لن تستطيع إخراج الشر حقاً ليصدقك الناس إلا بأن تكون شريراً حقاً.. “عينان رُمّانتان من الحُزن”، مستعداً للفتك، تصيرُ جميلاً و حادَّ الملامح إلى درجةٍ لا تُصدّق..

(2)

كيفَ يُمكنُ لفنّانٍ أن يرى ما حوله بعَينَي نَمرٍ أو حوت، أو حتى قارِب؟ كيف تُروى الحكايةُ بأعينهم؟ مالألوانُ التي يرونها؟ مالضؤءُ الذي تستطيعُ أحداقهم أن تلتقطه؟ هل يعرفون غشاوة الرؤية و ضبابَ البَعيد؟ و ماذا عن السراب، هل يرمقون أعلامَه؟.

استضافَ مركزُ الرّسم في نيويورك الفنّانَ الّذي رسمَ اللوحات و السكتشات التي بناءاً عليها بُنيَ فيلم Life of Pi. كان عنوان النقاش (Animals Vision). روى هذا الشخص كيف أنه عشق رسم الحيوانات منذ صغره، حتى وصل به الهوس إلى أن يهتم بتركيبة أعيُنها البايولوجية و ماهي الصورة التي يراها النّمرُ -مثلاً- إذا حدّقَ في مشهد الغروب مقارنةً بالصورة التي يراها البشر. أُسندت إليه مهمتان: الأولى، أن يرسُمَ بعض المشاهد مرئيّةً بعَينَي النّمر؛ أعماق البحر مثلاً بكُلّ ما فيه من أسماكٍ و سُفُنٍ غارقة، و القارب و مشهد الغروب و الجزيرة. المهمة الثانية أن يزورَ بعضَ الجُزُر ليَبني جزيرته الخاصة التي ارتاحَ فيها باي و النمر قبل اكمال الرّحلة. كانت المهمة الثانية هي الشّاقّة حقاً، إذ زارَ مناطق نائية، صَعَد تلالاً و انحدر إلى غاباتٍ و وقف على حوافّ بُحيراتٍ خطيرة.. رَسَم جذور الشّجر و ألوان أوراقها، كل ما يسكُنُ الجذوع و التُراب و الماء.. غموض المكان و أسراره، حتى الأصوات من حوله قام بتدوينها و تسجيلها.

بعد انتهاء النقاش، فُتحت أبواب معرض لوحاته.. مُذهلةٌ تلك الألوان؛ رسوماته و سكتشاته و حتى دفتر كشكوله المغطى ببعض الأتربة و الطين. رُبما تكون أشهر لوحةٍ له هي لوحة البُحيرة التي في الجزيرة؛ يسبَحُ فيها باي، و النّمرُ يرقبه على الضفّة. ابتعتُ الكتاب الشّرفي الذي أصدره مركز الرّسم له، أخذتُ توقيعَه على هذه اللوحة تحديداً، ثم هربتُ بها دون أن ألتفت له؛ كان ينظُرُ إليّ

بعَينَي النّمر.

@DrawingCenter

(3)

بعد أن شاهدتُ فيلم (وجدة) السعودي في إحدى قاعات السينما في نيويورك، صرتُ أفتَحُ بابَ شقّتي و أقفُ مكانه؛ أقفزُ و أفرِدُ رجليّ على جوانب فتحة الباب، و أصعدُ للأعلى، أصعدُ للأبد.. ولا يعيقني صوى اصطدام رأسي بالسقف، لم يكُن رأسي بالونة رغم أنني كنتُ أدفعُ غالياً لآخذ رقماً من لوحة العجائب؛ لوحةُ كرتون تُعلَّق خلفها ألعابٌ و بالونات، أدفعُ دمَ قلبي، ولم أربح يوماً البالونة الكبيرة.

كُن ولداً لطيفاً، لا تقترب من الغريب إذا فتح باب سيّارته و عرض عليك الرفقة و وصولاً سهلاً إلى البيت.. كن ولداً لطيفاً، لا تخرج قبل الرّابعة عصراً و عُد فور أن يعرفك الإسفلت و يميّزك الناس. هذا ما تقوله أمي لي كل يوم يا وجدة، و ماذا جرى؟ صرتُ أنا ذاك الغريب، كُلّما دعوتُ أحداً بابتسامةٍ و أملٍ في الصداقة، نفر مني.. كأنّني أبحثُ عن جُثثٍ تحت الماء.

و هذا ما تفعلينه يا وجدة،

تُحرّكين جُثَثاً

تحت الماء.

#Wadjda

(4)

لم يكُن فيلم سيمبا إنجازاً عاديّاً في حياة الأرض، كان غَرساً جديداً لصَنعة لم تزل والت-ديزني تتنفّس من ورائها. صحيح أن التقنية المستخدمة في تصميم و رسم و تحريك حكاية سيمبا مبتكرة و غير مسبوقة على الإطلاق، لكن ليس هذا وحده ما فَتَنَ أطفالَ جيلٍ كاملٍ قد يبكون إذا رأوا الفيلم من جديد. في البرودوي، شارعُ مسارح العروض الموسيقية، لم أبدأ بالتعرُّف عليه و الدخول لعالمه عِبرَ حجز تذكرةٍ لحضور (فانتوم أوف ذه أوبرا) أو (ويكد) أو (شيكاغو) –بدا لي أن أغنية ماجدة الرومي (اعتزلت الغرام) محاكاة رائعة لستايل شيكاغو في الغناء- بل ذهبتُ إلى عرض لايون-كينغ، العرض الوحيد من بين أكثر من ثلاثين عرضاً الذي يصعب عليك أن تجد كُرسيّاً واحداً لا يُصارعك عليه خَلقُ كُثُر.

كان المسرحُ أكثر من غابة، و من يعرف شمس سيمبا المميّزة في الفيلم، سيُذهل لحقيقيّتها على المسرح.. أَن تنظُرَ للعالم بأعيُن الكائنات كلها، هذه هي النافذة..

@TheLionKing

Advertisements