حجرٌ لكوكبٍ مات – The Museum of Natural History

5457.jpg

أحمد العلي – نيويورك

http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20131221/Con20131221663675.htm

(1)

لثلاثة عشر يوماً، لم تهدأ سواعدُ الحطّابين حتى أطاحوا بهذه الشجرة؛ تزنُ تسعة أطنان و عمرها بعُمر النبي، أكثر من 1400 سنة من النمو المتواصل في غابات الشمال الأمريكي. أمامي مقطعٌ عرضيٌّ منها، يستطيعُ أحدهم أن يبني عليه غُرفة نومٍ لمساحته الهائلة. لم أفكّر حقاّ بالجذع أو الحطّاب.. فكّرتُ بالفأس، مالّذي يُفكّرُ به عائداً لبيته في الليل؟ يستلقي في سريره،و سريرهُ صندوقُ خشب؟

ما أَحَنّ الطبيعة

على مَرضاها.

(2)

بجانب تلك الشجرة العملاقة، شجرةٌ أخرى بقَطعٍ عرضيٍّ طوله بطول مسطرة المدارس الصغيرة.. هذه الشجرة الضئيلةُ عُمرُها يفوق ال1600 عام. يقول كِتابُ الحضارات أن البشر تعلّموا إشعال النار و الشّوي من الصواعق التي كانت تضربُ الغابات فتُشعلُ فيها النيران لفصولٍ بأكملها. صحيحٌ أن العُمرَ شأنُ القلب. الصّحيحُ أيضاً أن النجاةَ

شَأنُ العُزلة.

(3)

الصّناديق

حُكماءُ البيوت.

(4)

ترمُزُ الفراشةُ في الفلسفة إلى شهوة الانتقال من القُبح إلى الجمال، من دودة اليرقة إلى أجنحة اللون و زُخرف النّسيج الرّقيق، خَيَالُ السيلوفان. تبدو هذه الفراشاتُ المُحنّطة خلف لَوحٍ زُجاجيٍّ ابتساماتٌ عائمة، لو أنصَتّ جيّداً ستقنُصُ أذنيك همساً قديماً، كُلّما مرّ على اللوحةِ عُشّاقٌ تفوحُ منهم رائحةُ الوسائد المجنونة، اتسعت اللوحة و فَرَدَ الفراشُ أجنحته.

(5)

لوحةُ الفراشات؛ خَشَبةُ الألوان التي يمسكها الرسّامُ بيدٍ واحدة، لكُلّ لونٍ فيها نبعٌ يتقاطرُ السائلُ من حوافّه، و الحنينُ مياهُهُ الجوفيّة.

(6)

حجرٌ أقدَمُ من الشّمس.. حجرٌ لكوكبٍ مات؛ عندما شاخَت حنجرته ولم يستطع أن يحيك نغمته في السيمفونيّة التي تطلقها حركةُ الكواكب من حوله، انتحرَ من الوِحدة و السكون، تناثَر، لكن حجراً غريباً واحداً قرّر البحث عن بيتٍ جديد له، فارتمى على أرضنا، و أخبرنا الحكاية.

من أجمل القاعات التي دخلتها في نيويورك على الإطلاق، قاعة الأحجار و المعادن التي لا تنتمي للأرض ولا تتكوّن فيها. أوّلُ عنصرٍ مكوّنٍ للأرض وهو ليس ابنها هو الحديد. الحديد المشكّل لِلُبها و خالق سكّة الجاذبية التي تسير الأرض عليها، الحديد رافع أعمدة البيوت و الدّال على مياه الأرض و الضّارب للطاقة في العربات، حَديدُ السيوف و الأسلحة و مقابض الأبواب و المفاتيح.. كيف يستطيعُ غريبٌ أن يتساكَنَ هكذا مع مكانٍ ما؟ هو يعرفُ أنه لا يزالُ غريباً، يعرفُ إننا لا نتوسّده للنوم، لا نناديه في المسرّات، صحون البقلاوة و كؤوس العصير، صار ثقيلاً على الكاهل و يُبطئُ الحركة.. و إذ سَمِعَ تأفّفنا منه منذ زمنٍ قريبٍ فقط، ابتكر مرض الصدأ، قرار انتحاره المتأخّر، تذكّر أمّه التي رأت، و عرفت، و تجرّأت قبله على الفتك بالأرض، لولا أنه خانها و عمّرها.

(7)

أمامي كُتلة حديدٍ طبيعية و غير مطروقة، أكبرُ كتلة حديدٍ معروضةٍ للعامة في العالم، وبالتالي أثقلها.. أنا في الطابق الرابع، و هي مرفوعة بستة أعمدة من الحديد أيضاً تخترق الأربعة طوابق نزولاً لتقف على الصخرة الحاملة لتُراب مانهاتن و مبانيها.

هَيبَةُ الغريب المثقل بالهموم و الوحدة.

(8)

في القاعة المجاورة أحجارُ الأرض.. هذه فراشاتُ الجيولوجيا.. الشّعشعة و الرقرقة و النور و الضوء و الدّكنةُ و الصباح.. الأشكالُ المتطاولة و المكوّرة و المقوّسة و المقعّرة و المثلثّة و المعيّنةو المكعّبة و المتراكبة و المتجاورة و السائلة و المتمازجة و الداخلة و الخارجة و الماثلة و الذاهبة و الزاحفة و الساكنة.. و في غرفة مظلمة في أقصى القاعة، وُضعت أحجارُ الفسفور و اليورانيوم، مُذهلٌ توهّجُ الضوء المنبعث منها، كأنّ لها قلباً، كأنها بعد قليلٍ ستفتحُ عينيها و تُجيلُ بأحداقها عليك، ثم تغمض من جديد.

(9)

يُعتبر الحوت الميّت هدية الله لسكان الشواطئ.. إذ يعيشون على أكل لحمه لشهورٍ عديدة.. هذه الهدايا كانت متواترة لزمنٍ طويلٍ لسُكّان نيوزيلندا و ماليزيا الذين حاكوا ما يُشبه الدّين القائم على الحيتان و أساطيرها في ثقافتهم. ينصبون على مخازن الطعام و خيمة الزعيم خشبةً على رقم سبعة، يحفرون عليها بعض الرموز و الكلام، إذ يؤمنون أن ذَيلَ الحوت بشارةٌ بالحياة.. يصنعون من أسنانه القلائد و الأساور و الأمشاط، و يقضي الرّجُل حياته في جمع أسنانها ليُثبت شجاعته. شعوب الشواطئ تلك لديها رَقَصَات استعراضية خاصة يؤدّونها أمام البحر، يرقصون للبحر كأنه شيخٌ جالسٌ على كُرسيّه و يرمُقُ نحوهم بكُلّ زُرقته و عمقه و الغمامُ بياضُ لحيته.. رقصاتٌ ينادون بها الحيتان و يستلهمون منها قوّتهم.

الحوتُ كأئنٌ خجول و غيرُ مؤذٍ، و لأنه جبانٌ حقّاً فإنه إذا ظهر على سطح الماء و أحسّ بشيءٍ غيرها يدورُ حوله، فإنه يعودُ للغطس ثانية بأن يُغرق رأسه أولاً ثُمّ يُقوّسُ جسده ليدخُل في الماء كأنّه يُودّعُ العالم، و في هذه اللحظة تماماً، يبدأُ الصيّادون بطعنه بالرّماح و الفؤوس، يجُرّونه إلى الأعلى و يفقؤون عينيه، يُعيقون محاولته للهرب -شهوة العُزلة التي في قلبه- حتى يصيرَ المُحيطُ كُلّه نبيذاً من دَمه القاني. رواية موبي-دِك تُفصّلُ التوحُّش الإنجليزي في صَيد الحيتان و التجارة بها حتى كادت أن تنقرض من المحيط، إذ يكمنون لها في مواسم هجرتها كقُطّاع طُرُق.

في قاعة الحيتان، تتدلّى من السّقف هياكل عظمية كثيرة لحيتان مختلفة الأحجام، إذ للحوت أكثر من خمسينَ نوعاً و يُعتبرُ لوحده فَصيلة، هُناك حيتانٌ بحجم اليَد، و حيتانٌ بحجم المنزل. أضواءُ القاعة الزرقاء بتلك الهياكل المُعلّقة تُشعرُك بأنك تتمشىٍ في قاع المُحيط، الكائناتُ البحريّة تطفو حولك و زُرقةٌ بلمعة الجواهر تنسابُ في كُلّ مكان. رُكّب في القاعة هيكلٌ عظميٌّ لحوتٍ أزرق، ضخامةٌ مهيبة، هُنا انعزل يونس، هُنا سَكَنَ و ارتحلَ و آب.. هُنا داوى جراحه بيده، كأن الحوت جبلُ النّور، كأن فمه غارُ حراء.. تذكّرتُ رحلتي كلها لمكّة، كيف صعدتُ الجبل صخرةً صخرة حتى دخلتُ الغار لأسمعَ صدى (إقرأ)؛ الحِجارةُ حول الغار محنيّةٌ عليه كأنها أصابعُ اليَد، غارٌ لطيفٌ يُرى منه الكونُ كُلّه، كأنه غمّازةٌ في وجنة الأبد.

كُلُّ فَقرةٍ من فقرات عمود الحوت الفقري بحجم كُرسي.. و وُضعت لُعبةٌ على شكل قلبه يدخُلُ فيها الأطفالُ و يخرجون، يستطيعُ ثلاثة أطفالٍ أن يجلسون داخل قلبه في وقتٍ واحد.

يصطادُ الحوتُ بالذّبذبات، يُحدد جهة الأسماك القادمة و يفغرُ فمه في وجهها.. بالذبذبات أيضاً يرسُمُ خارطةً لقاع المُحيط. و هو مُغنِّ بارع! كَريمةٌ عُزلتهُ إلى هذا الحَد.. في المعرض جهازٌ تستطيعُ من خلاله سماع بعض أغاني الحيتان، أغانٍ تختلف عن بعضها و تتطوّر في كل موسم هجرة بأناقة وتتابع تُمكنُ ملاحظته.. كأن أجيال الحيتان تستطيعُ ان تنقُد موسيقاها و تهذّبها، تترُكُ النغمات القديمة و تبتكُر غيرها.

يُعتقدُ أن الجد الأقدم للحيتان هو حيوان برّي يُشبه الذّئب لكن برأس كبير مثل رأس الأسد بلا تاج الشّعر، ينتمي فصيلة الجمال و الظباء و الخنازير. تطّور جهازه التنفسي تدريجياً عبر محاولاته المتكررة للسباحة والصيد في الماء.. حوّلته الطبيعةُ من دُبٍّ يصطادُ السَمَك واقفاً، إلى تمساحٍ قادرٍ على البرّ و البحر، إلى الأعماق و الاختباء فيها.

Advertisements