إصبعُ شمعٍ أزرق – Comic Con NYC

3546.jpg

http://www.alsharq.net.sa/2013/12/09/1018595

حُطام السفن – معرض دسكفري

(ShipwreckNYC#)

حسناً.. كل الرّوبوتات التي صنعها الإنسان ليجعلها تسيرُ بدلاً عنه على سطح القمر أو قيعان المحيطات، كلها، تشبه في تصاميمها و حركاتها العنكبوت.ليست هشاشةُ العنكبوت ضعفاً فيه، بل هي قوّته كلها؛ خِفّتُ نسج الخيوط في الزوايا البعيدة، فِراشه هو نفسه شبكةُ صَيده و شَرَكه، ثمانيةُ أقدامٍ يستطيعُ بها تسلُّق الهواء الصِّرف، و ثمانيةُ أعيُنٍ يرى بها كل شيء. و طِبقاً لهذا الأصل، صُمّمت الغوّاصة الهامدة أمامي الآن في معرض حُطامُ السُّفُن: القراصنة و الكنوز.

عصابةُ الرأس، قلادةُ الجمجمة بعَضمَتين متقاطعتين، خواتمٌ نادرة و رُقعةٌ سوداء للعَين التي لا ترى، عَصَاً خشبيّة مكان القدم التي فجّرها البارود.. هكذا رسمَ الروائيون القراصنة، لكن لا دليل ملموس على صحّة ذلك.. و بهذه الصورة، يبدأُ المعرضُ رحلته بمعلوماتٍ عن أشهر القراصنة في كتب الرواية و التاريخ، عن حياتهم و رحلاتهم، عن الكنوز التي يبحثون عنها في جُزُرٍ نائية، عن تلك الخرائط التي يضربون ظَهر السُّفُن نحوها.. قراصنةٌ نساءٌ و رجالٌ أكثرُ توحُّشاً من الفأس و شُعلة البارود.. حتى أنهم يُعاقبون الخَوَنة و الجبناء من طاقم السفينة بحبسه في قفصٍ على حجمه، يربطون بالقفص حَجَراً ضخماً و يرمونه في البحر.

بعدها يبدأُ الحديثُ عن الخرائط التاريخية التي تُحدّدُ الأماكن البحرية التي غرقت فيه بعض السفن المشهورة (تايتانك مثلاً)، و تُقدّمُ للزّائر الغوّاصة “أوديسي”، تلك التي صُنعت لتذهب عميقاً في المحيطات باحثةً عن ُحطام السُّفُن.. تُصوّرُ مشهداً عمودياً بالغ الدقة لقاع البحر، تُرسلُ الصور لسفينة المراقبة التي يُحلّلُ طاقمها ما يرونه، ثم يُدخلون الغوّاصة إلى السفينة المحطمة إذا وجدوها و يلتقطون ما يرونه؛ أطقُمٌ للصحون و الملاعق، مفاتيحٌ و أقفال، القنا قناني العطور الفارغة و أدوات الزينة من مرايا و أمشاط، و حتى مرساة الحديد الثقيلة. يفرحون بهذا كله فرحهم باكتشاف العُملات النقديّة ذَهَباً و فضّة.. فهم في النهاية يبحثون في تاريخ الغرق.

لو قبضتَ على مقود السّفينة الذي أمامك، سيدورُ و يُصارعُ يديك بقوّة عاصفة.. و لو دخلت تلك الغرفة، ستهُبُّ عليك رياحٌ كالّتي تحملها العواصف أيضاً.. لم أستطع أن أصمُد في الحالتين، لم يتملّكني الخوفُ الذي يُنبتُ في الذّراع عضلةً خفيّة و ينفُخُ الجسد كالشّجَر.. أجُرُّ هزيمتي معي في صالة المعروضات، ما وجدَته الأوديسي في قيعان البحار.. كُنتُ في الحقيقة أبحثُ عن سيلفر، سمعتُ صوت قدمه الخشبيّة تدُقُ أرضَ المعرض، تتبعتُ الصوت حتى قادني إلى الشارع؛ أتلفّتُ، أُمعِنُ النّظَر في العابرين، و عندما هممتُ أن أناديه، دوى صوته في الفضاء: و تستمرُّ الحياة..

معرض كومكس كون 2013

(@NY_Comic_Con)

(1)

إنهم حولنا؛ سندريلا، هانيبال، لارا كروفت، مايكل كورليوني، جيمس بوند، فرانكنشتاين، روبن هود، دون جوان، القبطان سيلفر، شيرلوك هولمز، باربي، روميو و جولييت، علاء الدين، شهرزاد، سوبرمان، باتمان، دراكولا، طرزان، سندباد، البوكيمونات، ناروتو…

مالرّابطُ بينهم؟ أقولُ لك:

لم يتنفّسوا يوماً.

(2)

ذهبتُ اليومَ للحدث السنوي الأهم لمُحبي شخصيات الكومكس في العالم (Comics Con 2013)، تجمُّع شركات و مواهب هذه الصناعة الفخمة. مُرتادو المخيّم يلبسون أزياءً تُطابق الشخصيات الكرتونية التي أثّرت فيهم؛ رأيتُ الساحرات و الأبطال و الوحوش، رأيتُ براءة الفتيات و فتنة البنات اللواتي يرفعن مسدساتٍ بتنانير قصيرة و جسدٍ مطليٍّ بالأصباغ. رأيتُ الأرانب و الزومبيز، القتلة، الشياطين،الأقنعة. قد يكونُ صحيحاً أن الروايات في وقتنا هذا كفّت عن ابتكار شخصيّاتٍ يتقمّصها القارئ لسنواتٍ طويلة، لكن ذلك لم يختفي من مجال الكومكس.. إنهم يمشون كما تمشي الشخصيات التي يحبونها، سلاحفُ النينجا بحركاتهم البهلوانية، لَفتَاتُ باتمان المُريبة، فانديتا و مشيته الأنيقة.. إكس-مِن، هيل بوي، فامبايرز.. كنتُ وحدي الغريب، بلباسٍ عاديٍ و يسير بينهم، كنت من كوكبٍ آخر.. لم يكُن في مجال أذني في طفولتي من الأبطال ما يُمكنُ رؤيتهم و تقليد حركاتهم و معرفة لباسهم .. مَن رافقوا طفولتي مُقدّسون قداسة الدم و الموت.. تلك القداسة التي تقتل.

(3)

توجّهتُ إلى قاعة الفنانين في المُخيّم.. كُلّما اقتربتُ من طاولة ديفد لويد، خالقُ شخصيّة فانديتا، أهابُ المكان رغم حفاوته و جنونه. لم أجده، أكياسه و لوحاته ملقاتٌ بإهمالٍ على طاولته و حولها رغم أناقة طاولات الفنانين و الفنانات المجاورة و تعليقهم للوحاتهم خلفهم و من تحتهم وعلى جوانبهم. انتظرتُ واقفاً حتى جاءني كائنٌ نحيلٌ بشَعر رأس أبيض و ظَهرٍ مُنحَنٍ قليلاً. ابتسم. ابتسمت. رحّب بي. أخرجتُ كتاب فانديتا و طلبتُ توقيعه. وضعه على جنب. أخرج ورقةً بيضاء و رسم عليها أمامي فانديتا بإصبع شمعٍ لونه أزرق. وقّع الكتاب. أخذتُ أشيائي و ضممتها. تحدّثنا عن مشاريعه الحاليه. تحدّثنا عن مشاريعي الحالية. حيّينا بعضنا. رحلتُ و في قلبي هدوءٌ واسع، واسع، واسع.

(4)

الفرق بيني و بين أخي الكبير أنه كان بطلاً و كنتُ الهارب، كان المفتون بغرندايزر و الرجل الحديدي و كنت الباحثَ عن أمه و الأصدقاء؛ كان يشتري مُجسّمات بلاستيكية لسوبر هيروز و شياطين من قريّة الألعاب، يخلقُ بينهم حواراً و قتالاً و صُلحاً في جلسةٍ واحدة، تراهم بين يديه يطيرون و يتساقطون و يتألّمون و يضحكون.. أخي الهادئ كالمياه الجوفية الآن، مالذي أخفى صوته المفتون بتحدي الأبطال؟. أخي الأصغر مني كان مجنوناً أيضاً؛ يجمعُ العُلَب و يسرق الطباشير الملوّنة من الفصل، يُذيب كُلِ لونٍ في قارورة ماء و يمزُجُ المحاليل التي إذا شربتها قد تتحوّل لأيّ شيء في العالم.. كان أيضاً يجعلُ من البيت مسرَحَ جريمة، يوزّع الأدوار على أقرانه من أهلنا و يكتشفون بعضهم و يتراكضون، أصواتُ تقليد طلقات النيران في كُلّ مكان، و السيناريو وليدُ اللحظة و الخوف المبتكر. كبُرنا الآن.. كبُرت أشجارهم هم، وأنا

كَبُرَ ظلّي.

(5)

غليون باباي و عضلاتُ السبانخ.. أن ينتقل البطلُ من كونه عنترة إلى ميكي ماوس.. من القاتل العاشق الى الصديق الذي يلاحق الفراشات.. من السيف إلى الغصن.. من يفهم ما فعله بنا ميكي ماوس و توم آند جيري و غيرها؟ أليس سُخفاً محضاً عند العرب إلى الآن أن تصرف الملايين على قصة قطٍ يُلاحق فأراً؟ هل تفهم ما أحدثه ذلك في التاريخ؟ هل تشعر به؟ كل ضحكةٍ ضحكتها عندما كان توم يعزف إحدى سمفونيات بيتهوفن و جيري يُفسدُ عليه متعته؟ أنت الذي لم تسمع سوى حكايات القتلة و المقتولين و الدماء تتطافر من أذنيك.. لم تسمع سوى طبول الأعراس القديمة؛ عُلَب الصبغ الفارغة و أنابيب البناء البرتقالية لأسلاك الكهرباء.. كانت تلك بهجةُ أعراس السطوح، لا بتهوفن ولا موزارت ولا قاعات الأوركسترا.. هل تفهم ما جرى لك؟ عنترة و الزير و تغريبة بني هلال!! ليست طفولةً تلك، إنها تقتل الطفل الذي يطفو على كُرسيّه فرحاً لفطور الكورن-فلكس و البان-كيك.

دُكّان الدرّاجات الهوائي

(1)

كنت أنصُب الشَّرَكَ للبلابل في حديقة بيتنا، حيثُ بركةُ البلاستيك بَحرُنا الطيّب. أنثُرُ الحبوب تحت شَبكٍ مُقعّرٍ و مرفوعٍ بعصا من جانبٍ واحد.. أكمُنُ خلف النافذة ممسكاً بخيطٍ مربوطٍ بالعصا، حتى اذا اقترب الكائنُ من أمر ربّه، أشُدُّ الخيطَ، و أسمعُ

شهقةَ الأجنحة.

(2)

تُهتُ في الطريق لبيت والت ويتمان، و ألقاني القطارُ في ما يُشبهُ القرية، حيثُ لكُلّ بيتٍ مهنةٌ و دُكّانٌ يعتاشُ منهُ ولا يُزاحمه في ذلك أحد. قلتُ أضيعُ هنا حتى يجيء القطارُ العائد بي إلى مانهاتن.

البيتُ الذي أنا فيه الآن يصنعُ الدرّاجات الهوائية. يا لفرحةِ أطفاله، يا لكثرة أحلام المسافات، يالأحاديث الانسياب الحُر في الهواء و فَرد الخرائط على طاولة الطعام، يا لغريزة المغامرة بعيداً عن المدرسة، قريباً من التجربة.

(3)

ورشةُ الدرّاجات الهوائيّة هذه بُنيَت من خشب الغابة المجاورة. الأبُ في دائرةٍ كأنها بئرٌ خشبيّة وسط الدُكّان، مُحاطٌ بدرّاجاته؛ منها الواقفة على الأرض، و منها المعلّقة على الجدران، و منها النازلة بخيوطٍ رفيعةٍ من السّقف. تتدرّجُ الدرّاجات من صرامة صعود الجبال إلى الوَهن في ضحكة طفلةٍ تضعُ الفاكهة في سلّة المِقوَد. يأخذ العُمرُ من الدرّاجة عجلاتها، تبدأُ بأربعة عجلات، ثم ثلاثة، ثم فتوّة العجلتين، و شيخوخة العجلة الوحيدة، و موت البراغي و السَّير (الصّنقل) و الانحلال إلى المواد الأولى التي تُرقَّعُ بها درّاجاتٌ أخرى لتقوى على رِحلةٍ أو رحلتين.

(4)

كنتُ طفلاً عندما كانت سِمةً بارزةً فيّ أن أسقُطَ في اليوم ألفَ مرّةٍ وأنا أسير، تتعرقلُ أقدامي بسرعة لحصاةٍ صغيرة أو بلاطةٍ مرتفعة. أذكر الوقتَ الذي كنت فيه أتعلّم اعتلاء درّاجةٍ ذات عجلتين فقط، علقت رجلي بين عجلاتها و التوَت. نمتُ في مستشفى أرامكو شهرين أذكرها كلها مع صديقي نِك الأمريكي. لو حدّقتَ في مشيتي الآن، ستجدني أعرُجُ بخفّةٍ، و ستعبُرُ بجانبك عجلةٌ وحيدة.

(5)

سقطتُ قبلها من أرجوحةٍ جماعيّة حاولتُ إيقافها لأن أقراني المجانين يريدونها أن تدورَ دورةً كاملةً في الفضاء، فكانوا يدفعونها بقوّةٍ و يُهلّلون. انقطع لساني و تدلّى خارج فمي (كُنتُ أيضاً أُتأتؤُ كثيراً لرخاوةٍ في عضلة لساني ولا أقوى على النطق إذا فكّرتُ أو حفظتُ مُسبقاً ما أريدُ قولَه). منذ عشرين عاماً و إلى الآن، يطفو على لساني مَذَاقُ خَيط المعدن الّذي خِيطَ به، خِيطَت شفتي العُليا أيضاً بخيوطٍ تشبه شارِبَ القط. كنتُ مثارَ استهزاءٍ لا عُمقَ لأذاه في نفسي، حتى أخذني أبي للمستوصف قائلاً أنني اذا جعلتُ الممرضة تنزعُ شاربَ القطّ دون أن أبكي، فسيعطيني بيضة كيندر.

عرفتُ حينها نفسي: أخافُ من العَدو بقوّة، و إذا وقفتُ، مُت.

(6)

تعرفُ الدرّاجةُ رحلتها الأخيرة، تهبُ نفسها للريح ولا تلتفت لأبواق السيّارات المُعديّة على جانبيها، تزحفُ و هي تصعدُ الجبلَ إلى حافّة الطريق، إلى الهاوية، لولا أن الكائن القابض على المقود لا يجبُنُ ولا يتشبثُ بحياته الذاهبة، لكان موتاً هوائيّ المزاج، لا يشبهُ ضيقَ الغرق، بقدر ما يُشبهُ فُسحةَ الترحال السريع بين أشجارٍ و زهورٍ و أوكار طيور.

comicsCon_5.jpg comicsCon_2.jpg Bycicles_2.jpg Discovery1.jpg Discovery2.jpg

Advertisements