جيمس فيري: أكتب لأنني لستُ مؤهّلاً لفعل شيئ آخر

لا قواعد في الفن الحقيقي جيمس فري: لماذا أكتب؟ إذا لم أكتب ساُجَنّ!

ترجمة: أحمد العلي

http://www.araa.com/article/73950

لماذا أكتب؟

لستُ مؤهّلاً حقّاً لفعل أيّ شيءٍ آخر. تبدو الكتابة -في هذه اللحظة- جزءاً كبيراً من حياتي إذ لا أستطيع إيقافها. أُجَنُّ دونها. و ببساطة، لديّ عائلة و أحتاج النقود.

حين كنتُ طفلاً صغيراً، أحببتُ الضياع في الكتب. لم أفكر في أن أكون كاتباً حتى صار عمري واحداً و عشرين عندما قرأت رواية (مدار السرطان). قليلةٌ هي الأشياء التي حدّثتني في حياتي كما حدّثني ذاك الكتاب. لم أصادف أبداً شيئاً حدّثني بكل ذاك الصفاء و المواجهة و العُمق. كان نصف الكتاب غضباً و نصفه الآخر مُتعة، وكان يصوّر تماماً ما أشعر به نحو العالم.

الفُسحةُ الوحيدةُ الأخرى التي كان من المُمكن لي أن أرى فيها تعبيراً شديد الجمال و الجُرأة، هي رسومات جاكسون بولوك. حدّثتني هذه اللوحات بنفس النبرة لأنها خُلِقت بيدي الفنّان الذي قالَ يوماً: اللعنة، لستُ مُهتمّاً البتّة، ما أصنعه هو هذا، و هكذا سأفعله لاحقاً، و هذا ما هو عليه. تستطيع أن تحبه أو أن تكرهه.. فهو لا يخصّك أبداً.

كنتُ أُسِرُّ في نفسي: هذا ما أريدُ أن أكون عليه. و بعدها بستة أشهر انتقلت إلى باريس لأن (مدار السرطان) كانت عن معيشة هينري ميلر هناك. ذهابي لباريس كان تحديقاً، تقصيّاً و بعثاً.. كانت مغامرةً أتحوّل فيها إلى كاتبٍ محاولاً إيجاد معنىً لذلك، لو كان ذلك محتملاً على الأقل. لأعيش بجرأة، بتهوّر، بغباءٍ و جمالٍ معاً.

التاريخُ النابض

أحاول كتابةَ كُتبٍ كنت أتمنى لو أن غيري قد كتبها، كتب تمنّيتُ أن أقرأها. دائماً ما يقول الناس إنني متعجرف عندما أتحدث هكذا، لكن أظن إنني من القلائل الصادقين بخصوص ما دعاه أورويل: التاريخُ النابض. أريدُ كتابة ما يُمكن أن يعتبره التاريخُ مهماً، كُتُبٌ لها معنىً تغيّر العالم و طرائق الكتابة و النشر.

أَنظُرُ إلى مسيرة الأدب في التاريخ و أفكّر: بلى، أستطيع أن أضع نفسي هناك، لديّ القدرة لأن أقف بين هؤلاء الكتّاب الذين أحبهم، مَن صنعوا التاريخ. أريدُ أن أكون في قائمة الأصالة و العبقرية.

أكيدٌ أن الكثير مما قلته يمتلئ بالأنا و الغرور، إذا لم أقُل إنه هُراء. لكنني أنافس عليه. أجلسُ الآن إلى طاولتي، وليس على جداري -بجانب رسوماتٍ لأطفالي- سوى غلاف مجلةّ المصوّر الرياضية للمُلاكم هاغلر، بطل العالم خلال الثمانينيات كلها في الوزن المتوسّط. كان مانشيت الغلاف هو: الأفضل و الأقوى. إنه يتحدّث إلي. أريدُ أن أكون الأفضل و الأقوى.

كان عليّ في مهنتي أن أصنع علامتي مُبكّراً. أمّا الآن، فعليّ حفرها و تعميقها و جعلها دائمة. قلتُ في مقابلتي الصحفية الأولى إنني لن أهَبَ سنواتي للمُضي هكذا. أُريدُ أن تصير كتاباتي الأكثر انتشاراً و قراءة على الإطلاق، الأكثر جدلاً، و أن أصير الأعمق إلهاماً في وقتي.

مُلاحقةُ التّيه

أكثر ما أحبه في ممارسة الكتابة هو اختفائي.. أن أتوه في مغامرة جعل كل كلمة هي الكلمة الصحيحة في محاولتي قولَ الحكاية.

لديّ سيطرةٌ مطلقة عندما أكتب، لن يجري شيءٌ على الورقة ما دمتُ لم أضعه هناك، و لن يبقَ شيءٌ عليها إذا لم أُرِد له أن يبقى. تصنَعُ العالم عندما تجلسُ إلى الآلة الكاتبة، تحيا فيه و تتحكّمُ به، سيكون كما تشاؤه أنت فقط. لا أعرفُ وقتاً أكونُ فيه ممتلئاً و مُنقاداً، سهلَ الطّباع، أكثر مما أكونه وحيداً في غرفتي لثمانية ساعات.

استغرقتني سنواتٌ للوصول إلى تلك الحالة التي أجلسُ فيها للكتابة عارفاً أنني سأكتب بطريقتي الخاصة، و أن كتابتي ستكون جيدة. لا أكتُبُ بشكلٍ عادي، لا أهتم بالنحو المتعارف عليه ولا أستخدمُ علامات الترقيم، لا أكتب بشكلٍ صحيحٍ أبداً. تعمّدتُ ذلك في الحقيقة لأصل بعد وقتٍ طويلٍ إلى الثقة التي تمكنُني من اختراق كل قانون في الوجود.

كثيرون من كُتّاب الألغاز -و خاصّة الشباب منهم- يلعبون مع أنفسهم لعبة الثقة: هل تستطيع فعل ذلك؟ أوه، تبدو مستحيلة، لا أستطيع إخراجها إلى الوجود بالطريقة التي رأيتُها في داخلي. الكثير من الكتاب يأخذهم الضياع في محاولة إيجاد أساليبهم الخاصة في الكتابة. و الكثير من منهم لا يجدون طريقهم أبداً.

لا يُخالجني شكٌّ في نفسي عندما أجلسُ إلى الآلة الكاتبة. مخاوفي العظيمة تجيئني عندما أفكّر بها و أنا بعيدٌ عنها. لكنني عندما أجلسُ إلى الكومبيوتر، أعرفُ أنني سأُنجزُ ما أردتُ كما أردت. قد يستغرق ذلك وقتاً أطول، قد يكون صعباً و وحيداً جداً، لكنني مؤمنٌ دائماً بأن الكتاب الذي أُشرعُ فيه سيخرُجُ للوجود كما تخيّلته. لماذا؟ لأن لديّ لعنة السّيطرة عليه! عندما تملك تلك اللعنة في حياتك لن تستطيع أن تدعها تذهب، أبداً.

أعملُ كثيراً في مجالَي الأفلام و التلفزيون، و هذا من عوامل الإحباط التي أعاني منها. أحتاجُ إلى تهيئةٍ مختلفة تماماً لأُعيد التحكُم بنفسي بعد أن أُفلت مني.

الوصولُ إلى الذات

كنت لازلت أحاول إيجاد طريقة معقولة في الكتابة و لها مغزىً بالنسبة لي بعد قراءتي لمدار السرطان، لكنني لم أستطع ذلك، كتبتُ أنواعاً كثيرةً من التفاهة، كانت كلها قمامة.

بعدها، كتبتُ أوّل ثلاثين صفحة من كتابي (مليون قطعة صغيرة) في جلسةٍ واحدة لمدة أربع ساعاتٍ متواصلة، لم أكتب بهذه السرعة قبل ذلك ولا بعده. تنهّدتُ بعمق و أسندتُ ظهري للوراء و نظرتُ إلى ما كتبت و همست: بلى، بلى.

في الصفحة الأولى من مدار السرطان، كتب ميلر: أظن أنني لستُ فنّاناً بعد الآن، أنا إنسان. رأيتُ تلك الصفحات الثلاثين و تنفّست: ما أردتَهُ صارَ هنا يا رجُل، هنا.

ثَراءٌ يهزم الفقر

عشتُ فقيراً حياةً مقرفة، و لم أُرِد لنفسي عملاً في حانة أو في محل ملابس. لذا، بدأتُ بكتابة الأفلام عندما كنتُ في الخامسة و العشرين. تنتهي لعبة الكتابة دائماً إلى إصدار الكتب، لكن عدداً كبيراً من زملائي وقتها كانوا يعملون في عجن نصوصٍ تصنعُ أفلاماً سيئة، فقلتُ في نفسي: و لمَ لا، أستطيع فعل ذلك!.

كتبتُ بما استطعته من ابتذالٍ و تجاريّة قصة رومانسية كوميدية، بصفاءٍ و استعطافٍ كبيرين، ثم انتقلت من شيكاغو إلى لوس آنجلس و بعتها هناك. بين الخامسة و العشرين من عمري و الواحد و الثلاثين، كنت كاتب سيناريو بارع، حصلتُ على وظيفة كاتب، و هذا شيءٌ يختلفُ تماماً عن أن أكون كاتباً حقاً.

بعد كتابتي لتلك التنهيدة القصيرة من (مليون قطعة صغيرة)، عرفتُ أنني أستطيع فعل ما أردتُ تحقيقه. كل ما احتجته هو الوقت. رهنتُ منزلي للمرّة الثانية، و صار لديّ مالٌ يكفيني للعيش لثمانية عشرَ شهراً. جلستُ سنةً كاملةً أكتب حتى انتهيتُ منها، ثم بعتها.. و صار هذا ما أفعله منذ ذلك الوقت.

لا زلت أشتغلُ في الأفلام، كان لي فيلمٌ عُرِضَ عام 2011م، و هو مبتذلٌ لدرجةٍ لا تُصدّق لصالح شركة دريم-ووركس، فيلم أكشن للمراهقين بعنوان: أنا رقم أربعة، و قد نشرته بإسمٍ مُستعار!.

شخصيّة مثيرة

يبدو مضحكاً استخدامي لأسماءٍ مستعارة بالنسبة لي.. إذ أن تكون كاتباً يعني أن تصنع أسطورةً عامّة، أن تكونَ شخصيّةً قابلةً للكتابة عنها بقدر ما يُقال عن ما تكتبه تلك الشخصية نفسها.

هناك جيمس فيري الذي يذهب إلى عائلته، و هناك جيمس فيري المشهور. أُنظُر إلى رجالٍ مثل هيمينغواي و كيرواك و بوكوسكي أو نورمان ميلر أو هونتر تومسون. أنا مستعدٌّ للمُراهنة على أن الشخص الذي كان في بيته منهم، لم يكن يتصرّف مع عائلته كما ارتسم في أذهان العامّة، لم يحيا هناك كما تصوّروه. لدى الناس شخصيات عامّة كبيرة قامت بتدميرهم.. لقد تاهوا.. لقد نسوا أن هناك خطّاً رفيعاً بين ما تكونه في المنزل و ما تكونه في السّاحات العامّة.

في هذه الفتره من مهنتي، هناك ما أستطيع تسميته بجيمس فيري العام! جيمس كريه، جيمس سيّء السمعة، ممتلئ بذاته و متكبّر. ما أكونه في البيت شي مختلفٌ تماماً.. لا أحتاج إلى أن أختال و أتبجح عند دخول الشقة بقولي إنني الأفضل و الأقوى. عندما أذهب للمنزل فأنا أبٌ فقط، أنا جيمس، زوج زوجتي!.

هناك الكثير من جوانب حياتي الخاصة لستٌ آمناً عليها. مرعوبٌ من أن أستيقظ يوماً دون مالٍ يكفي لتسديد فواتيري. أقلقُ و أتوتّرُ في الحفلات، لا أحب أن أقف وسط أربعين شخصاً مرّةً واحدة. تلك مقاساتُ متفقٌ عليها لتفاهة الآدمي.

واجهتُ كميّة لا بأس بها من المواقف المقززة في مسيرتي المهنية.. كأن تنتزع أوبرا أحشائي على التلفزيون الوطني، و أن أواجه ستّ عشرة مجموعةً من قانونيين يرتدون ملابس المحاماة في ساحةٍ عامّةٍ للتظاهر ضدي، و أن يقول محاميّ الخاص لي: أنت تواجه عجزاً مالياً دائماً و حتميّاً كنهاية العالم في الإنجيل! عليك التفكير بشكلٍ جديٍّ في الانتقال إلى فلوريدا أو سويسرا أو موناكو.

ما أرعبني بشكلٍ أفظع هو إمكانية أن يحدث شيء لأطفالي، أنجبت مع زوجتي طفلاً ثانياً لكنه توفي، كان صبيّاً. تلك هي التجربة الأقسى على الإطلاق.

مقارنةً بفقد طفل، أو خسارة صديق، أو انكسار علاقة حميمة، تبقى التجارب الفظيعة التي مررتُ بها ككاتب تجاربَ عاديّة، أيّامٌ سيّئةٌ في العمل. عام 2006م كان عاماً سيئاً في العمل، لا أكثر.

كل ذاك يتبخّر عندما أكون جيمس فيري الجالس إلى الآلة الكاتبة. لا أشك. لا أخاف. لا أحد يستطيع إيذائي. لا أحد يستطيع قول شيّئ بذيءٍ نحوي له معنى. أن أكون في الكتابة ليس غروراً ، بل عمل، إنه نضالٌ و تحدٍّ.. لذلك أرفعُ جداراً سميكاً يفصل بين هذه الأشياء، و سيتضرر الناس لو سقط هذا الجدار!.

كتابتي، أنا، كل هذا، هو قطعة فنيّة أدائيّة طويلة و مستمرةٌ في العرض. سبق السيفُ العذل! وُجدت الأسطورة، و سواءاً استمرّت أم لا، سيحدد هذا جودة ما أكتبه و أنشره. هنا يكمن جمال الكتابة: كل التفاهات في العالم، و كل ما هو حقيقي و يهمني و يهم القُرّاء و التاريخ هو: هل كتبي هذه جيّدة بما يكفي؟ لا أريد منها سوى أن تفعل في قارئها ما فعله هينري ميلر بي.

جذريّة

في طريقي لتعليم نفسي أن أكتب كما أُحب، راجعتُ كثيراً تاريخ الأدب. حاولتُ اكتشاف مالذي يشترك فيه الكُتّاب الذين أقدّرهم.

قرأتُ كُتّاباً مثل بودلير، فيتزجيرالد، هينري ميلر، جون دوس، هيمينغواي، كيرواك، تومبسون، غينسبرغ، بريت إيستون. عندما ظهرت كتاباتهم، لم يكن أحدٌ قد رأى مثلها قبل ذلك. خُذ على سبيل المثال كتاب (على الطريق)، كم من كُتُب الطريق التي طُبعت قبله؟ بلايين!. رواية دون كيشوت هي رواية طريق، شابّان ذاهبان في رحلة. عليك بجذريّةٍ أن تُعيد ابتكار ليس فقط إعادة الكتابة، و إنما كيف تُمكن معالجة الموضوع بطريقة أخرى. أُكتُب كتباً عظيمة، مميّزة، نادرة و ثوريّة و يُمكن نسبُها بسُرعةٍ إليك.

نفكّر بهيمينغواي الآن على أنه مُجرّد هيمينغواي!، لكن عندما نُشرَت كتبه للمرّة الأولى، قصيرة، بجُمَلٍ مُعبّرةٍ و مُحكمة، كتابٌ ضئيلٌ تُمكنُ قراءته بسهولة.. كان كتابه مكثّفاً و أصيلاً. و لو فكرت في كيرواك، ستجده غير مسبوق. هينري ميلر أيضاً و غينسبرغ.. جذريّون في كتاباتهم.

الأفضل من كلّ شيء

مررتُ بلحظاتٍ هائلة المتعة ككاتب. إنها لحظةٌ رائعة تلك التي ترى فيها كتابك للمرّة الأولى في متجر كتب، أن تسمع أحدهم يقول لك: تبّاً لك، أُحبُ كتبك يا رجل!. تشعُرُ بمُتعةٍ شفّافة عندما تُحسُّ أنك كتبت جملةً محكمةً بطريقةٍ تؤدي ما كُتبت له. قمتُ بالقراءة على مسامع آلاف من الناس، بعتُ من عشرة إلى خمسة عشر مليون نسخة، و أُدعى متجوّلاً في معارض الكتب حول العالم.

كنت الأول في قائمة النيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً في طبعتَي كتابي بغلافٍ مقوّى و الغلاف العادي.

قد تظن أن تلك كانت لحظتي الأروع، لكنها ليست كذلك.. لحظتي الأثيرة التي يغلبني الدمع كلما تذكرتها هي التي كتبت فيها آخر كلمة من مليون قطعة صغيرة. نظرت إليها و دفعتُ هواءاً ثقيلاً من صدري و بكيت، لا أعرف إن كنت سأصل لمثل تلك الرعشة في حياة الكتابة التي اخترتها.

أبرمتُ اتفاقاً مع نفسي: إذا جاء يومٌ صرت فيه مهتماً بآراء الناس و بأرقام المبيعات و بعدد الحضور في أمسياتي أكثر من سعيي لكتابة ما يزحزح العالم و يضع الناس في الفوضى، فسأعتزل الكتابة و أمتهن شيئاً آخر. لا أريد أن أصير شيخاً في الخامسة والسبعين لم يعد يجيد شيئاً سوى إلقاء القشور على القرّاء لأن غروره يسجنه عن المضي.

مشى الملاكم هاغلر خارجاً من الساحة دون صوت. كان الجميع يتساءل “متى سيعود؟”.. حسناً، إنه لن يعود.. و أحترم طريقته في ذلك.

سأغادر في وقتٍ ما بخفّة، لن يشعر بي أحد، و لن يسمعني حينها أحد.

وصايا جيمس فيري للكُتّاب

  • · لا قواعد في الفن الحقيقي. ليس عليك الكتابة تحت شكلٍ أدبيٍّ معيّن. ولا يهم إن كنت درست في جامعة متخصصة أو حصلت على شهادة في الكتابة الإبداعية. أن تستطيع الكتابة أو لا، هذه هي المسألة.
  • · إعمل بجد.
  • · شكراً للكتب الإلكترونية، ليس للناشر أهمية بعد وجودها. تستطيع أن تنشر كتبك بنفسك إذا أردت ذلك.
  • · ثق بنفسك، إذا كنت تستطيع أن تُنجز ما تريد، فستفعل.
Advertisements