جودي بيكولت: شخوصُ الرواية تتنفّسُ وتنمو

أكتب لأنني لا أستطيع ألا أكتب

I WRITE BECAUSE I CAN’T NOT WRITE !!

جودي بيكولت: لماذا أكتب؟

JODI PICOULT: WHY WE WRITE?

ترجمة: أحمد العلي

TRANSLATED TO ARABIC BY: AHMED ALALI

http://www.araa.com/article/74791

أكتب لأنني لا أستطيع ألّا أكتب، اسألوا زوجي. عندما تدور فكرةٌ في دماغي ولا أستطيع إخراجها، تبدأُ في تسميم وجودي اليقظ، حتى أفقد أدب الرّفقة ولا أقدر على متابعة حوارٍ بسيط.
عندما يكون نشاطي الكتابي مُسترسلاً بسَمَاكة كتاب، أجدُ نفسي مختبئةً في العِليّة لأُضيف مشهداً يهبطُ إلى الصفحة قبل أن أنزل للعشاء. في كثير من الأوقات، يتحول ذلك المشهد الواحد إلى اثنين أو ثلاثة.
وبعيداً عن الحكّة التي تصيبني إذا لم أكتب، أكتب لأنها طريقةٌ تستجلي أجوبةً لمواقف تحيّرني في العالم. القيام بكتابة كتابٍ يهبُني تجربةً آملُ أن يعيشها القارئ. إنها تجبرني على الخوض في وجهات النظر المختلفة التي تحيط بموضوعٍ ما، والوصول إلى نتيجة في النهاية. ليس من الضروري أن تغيّر الكتابة رأياً لي، لكنها دائماً ما تعطيني حِسّاً قويّاً لأعرف لماذا تبنّيتُ هذا الرأي دون غيره، ونادراً ما نسألُ أنفسنا هذا السؤال.

النزولُ من التلّة على درّاجة

تتغيّرُ مشاعري تجاه الكتابة بشكلٍ يومي، وربما كُلّ ساعة. يشبه ذلك أحياناً النزول من التلة على درّاجة، تمُرُّ الرّيحُ بين جدائلي رافعةً يديّ في الهواء. وأحياناً تصيرُ الكتابة كالمشي في بركة وحلٍ خلّفها إعصارُ آيرين[i].
لم أرَ إلى الكتابة إلا بوصفها عملاً. إنها مضمونةٌ لي، هي ما أُحب فعله، لكنها تتطلب مني أن أضع جسدي على الكرسي، كموقف سيّارة، حتى لو لم أكن وقتها مدفوعةً للكتابة من الداخل.
أحياناً تصيرُ سحريّة. شخوصُ الرواية تتنفّسُ وتنمو. أسمعُ أصواتها صافيةً في ذهني. لهذا كنت دائماً أُسمّي الكتابة: شيزوفرينيا ناجحة! إنّهم يدفعون لي لسماعي تلك الأصوات.[ii]
وفي نقطةٍ معيّنة من كُلّ كتاب، يحدث شيء ما لم أكُن أراهُ قادماً -ليس في وعيي على الأقل- وهو بالضبط قطعةُ اللغز التي تفتقدها القصّة، العُنصُر الذي يجمعُ خيوط الكتاب. تبدأُ الشخوص برسم طُرُقها لوحدها، لها خططها التي لم أكن على علمٍ بها، حتى تتقدّم الحوارات والمكائد ببطيء على الورقة. و حتى لو كنتُ أعرفُ نهايات كتبي قبل أن أبدأ بكتابة أوّل كلمةٍ منها، كثيراً ما أجدُ أن تلك القطعة الجامعة -كيف أنتقل من الموضع أ إلى ي- الأكثر إضاءةً و فُجاءة.
يتمُ سؤالي في أحيانٍ كثيرةٍ ما إذا كُنتُ أبكي في الكتابة. بالطبع أبكي! أنتهي من كتابة بعض المشاهد -غالباً بين الأمهات وأبنائهن- لأجد نفسي أنشُجُ على لوحة المفاتيح. أعرفُ شخوصَ قصَصي أكثر من معرفتي لأيّ أحدٍ آخر، فمن المنطقي إذاً أن تغرق عواطفي كلها فيهم.
جسدياً، أشعُرُ بسنين عُمري عندما أكتُب، إذ لازلتُ مستمرّة منذ عشرين عاماً، ومثل من أعرف من الكُتّاب الآخرين، مُصابَةٌ بالتهاب الأربطة. يومُ كتابةٍ جيّد يعني يوماً سيئاً لكتفي أو ذراعي. لكنني أقولُ لنفسي بأنه ألمٌ من الجميل امتلاكه.

هل تذكرني؟

تخرّجت من جامعة برنستون بشهادة في الكتابة الإبداعية الإنجليزية. حصلتُ وكثير من زملائي على دعوات لإرسال سيرنا الذاتية من شركات نشر كبيرة: ويليام موريس، سي أي أي. أرسلتُ لهم مشروع تخرجي – روايةٌ سيُسعدك عدم قراءتها- و لم أحصُل على أيّ رد.
لأنني لم أقابل وقتها أيّ أحدٍ يعتمدُ في معيشته على مهنة الكتابة، كانت لي خطّة أخرى. عندما تخرجت من برنستون حصلتُ على وظيفة في الوول ستريت، كتابة السندات والتعاميم لشركة إس آند بي ومووديز. كرهتُ الوظيفة. كرهتها! عملتُ لتسعين ساعة في الأسبوع، وفي لحظةٍ ما اكتشفتُ أنني كتبت أكثر من ألف صفحة عن الشركة التي تصنع سيارات فياتس.
ابتهجتُ عندما انكسر سوق البورصة في أكتوبر 1987م! عرفتُ أنني سأُفصل من الوظيفة، وهذا ما كان. ابتعتُ سيّارة بمكافأة نهاية الخدمة وانتقلت إلى ماساشوستس، المدينة التي يقطن فيها صديقي، وحصلت هناك على وظيفة مُحرّرة كتب.
كنت أنتهي من عملي كل يوم في الساعة العاشرة صباحاً، أُغلق باب مكتبي عليّ مدعيةً أنني مشغولةٌ جداً. في الحقيقة، كنتُ اكتب روايتي الثانية. في السنتين اللاحقتين لذلك، عملتٌ كمُحرّرة كتب، مدرّسة للكتابة الإبداعية في مدرسة خاصة وصائغة إعلانات. بعدها، حصلت على درجة الماجستير في التعليم من جامعة هارفارد، ودرستُ المستوى الثامن من اللغة الإنجليزية في جامعة حكومية، تزوّجتُ وحملت.
خلال ذلك الوقت، كنت أرسل روايتي لمُتعهّدي نشر، أنتقيهم من مجلة سوق الأدب. كلهم رفضوني، وبعضهم ببجاحة. أخيراً، وافقت امرأة وقالت نعم. كانت للتو تبدأ عملها. لم تمثّل هذه المرأة أيّ مؤلّفٍ من قبل للتفاوض مع شركة نشر، لكنها ظنّت أنها تستطيع أن تمثّلني. قَبلتُ بها واستطاعت أن تبيع كتابي خلال ثلاثة أشهر. كان ذلك منذ عشرين عاماً، ولا تزال هي نفسها ممثّلتي الآن.
بعد أن صعد كتابي في قائمة أكثر الكتب مبيعاً في النيويورك تايمز، تلقيتُ اتصالاً من مُتعهّدة نشر معروفة في نيويورك، عرضت عليّ تذكرة سفرٍ لأقابلها في نيويورك ولنتحدث بشأن تمثيلها لي. رفضت بأدب وأوضحتُ أنني لا أنوي ترك متعهّدتي الحالية. أنا متأكدة من أن هذه المتعهّدة الكبيرة لا تذكر أبداً بأنها كانت أوّل من رفض تمثيلي في حياتي.
بالرغم من كوني في الثالثة والعشرين من عمري عندما طُبعت روايتي، إلا أنها لن توفّر المال الكافي لي شخصياً، فضلاَ عن عائلتي. نمى الجمهور الذي يقرؤني ببطء، لم أحصل النجاح في ليلةٍ واحدة، كان ذلك بعيداً عني. لم توفّر لي الكتابة دخلاً يُمكنُني من إعالة أحد حتى سنة 2004م، عندما بيعَت روايتي (جَليسةُ أختي – My Sister’s Keeper) بما يكفي ليعرفني الناس.

وظيفة منزلية – موقع هوم ديبوت

أصعب فترة عشتها ككاتبة كانت عندما اتضح لي أنني عشتُ حياةً لم ينقصها نشري للعديد من الكتب، لكن دون أن أحقق أيّ نجاح [iii]. يظُنُ العديد من الكتاب أن عقد النشر هو الكأس المقدّسة[iv]، لكنه ليس كذلك. من الخطأ الاعتقاد أن النّاشر سوف يهتم بانتشار كتابك لأنه قام فقط بنشره، وخاصة إذا كنت مؤلّفاً جديداً، فغالباً لن يبذُل جهداً في ذلك. عليك ان تُعين نفسك بنفسك، أن تنضم إلى أندية القراءة وتجد لك منصةً للتوقيع في معارض الكتاب والمكتبات، افعل أي شيء ليخرجُ من الأفواه كلامٌ عن الكتاب. لن يبدأ الناشر بالاهتمام بالكتاب حتى يرى أن أرقام مبيعاته في ازدياد بشكل سحري. وبالتالي سيفكّر في استثمار بعض المال للترويج له. إنها دائرةٌ خبيثة.
هكذا ابتأستُ بشكلٍ هائلٍ عندما وجدتُ نفسي أُمّاً صغيرةً بثلاثة أطفال وبعض الكتب المنشورة، ولا زلتُ ألعبُ بفكرة إيجاد وظيفة منزلية للمشاركة في مصروف العائلة.

الاتفاق على سيناريو فيلم لا ينتهي غالباً بنفس السيناريو

قضيتُ وقتاً صعباً أيضاً في الفترة التي كان يصوّر فيها فيلمٌ مبنيٌّ على روايتي.
أوضحتُ للشركة المنتجة مدى حساسيّة نهاية الرواية. استلمتُ رسائل من قُرّاءٍ كُثُر تقول أن نهاية الرواية هي السبب الذي جعلهم يقذفون الرواية على أصدقائهم قائلين: اقرأها لنستطيع مناقشتها. طلبت مني الشركة المنتجة أن أتحدث مع المخرج بهذا الشأن قبل أن يوقعوا عقده. شَرحتُ للمخرج مخاوفي، وقال: بلى، إنها النهاية المناسبة للرواية، لن أغيرها، وإذا كان عليّ أن أغيّر فيها شيئاً لأيِّ سبب، فسأُخبرك لماذا، وسأخبركِ بنفسي.
ولمدة عامين، ساعدته على تجسيد سيناريو قريب جداً من الكتاب. وفي يومٍ ما جاءني إيميل من إحدى المعجبات، وكانت تعمل في وكالة لتوفير الممثلين، تخبرني فيها بأن السيناريو لديها، وهل كنت على علمٍ بتغيير نهاية الرواية؟!.
إلى اليوم، لم يخبرني ذاك المُخرج أسبابه لتغيير نهاية الرواية، ولكن بسبب فعلته هذه، لم يكن الفيلم بقوّة الرواية. ويبدو أن مُتابعي الأفلام كان لهم نفس الرأي، ولذا لم يحقق الفيلم نجاحاً في شُبّاك التذاكر.
وكنتيجةً لتلك التجربة، حرصتُ دائماً أن أحصُل على سُلطة إبداعية لكُل عقود السينما والتلفزيون المقدمة لي. أثبتت تلك التجربة السلبية لي وللعاملين في المجال الإعلامي أنني أعرفُ تماماً ما أتحدث عنه.

لا أستطيعُ هزيمة الخانة الأولى

أفضلُ أوقاتي ككاتبة هي تلك التي أجدُ فيها كتاباً لي يظهر في الخانة الأولى من قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً. حدث لي ذلك مرّاتٍ قليلة، لكنها لا تتقادَمُ أبداً.. أقِرصُ نفسي حينها قائلةً: أنظري إلى أين وصلتِ. عندما أكونُ الأولى، أعرفُ أن أمي لم تعُد وحدها وصديقاتها من يشترون كتابي. أستطيع بدقّةٍ تذكُر اللحظات التي اتصل عليّ فيها الناشر ليزُفّ لي الخبر السعيد. كنت أكتُبُ حتى عندما لم يكُن أحد يقرأُ لي، لكنه ممتعٌ أن تعرف أنهم يفعلون.
لحظةٌ مميزةٌ أخرى هي أمسيتي في بيت مارغريت ميتشل في أتلانتا. (ذهبَ مع الريح) هو الكتاب الذي جعلني أريدُ أن أصير كاتبة. جلوسي في تلك الأمسية عند الطاولة التي كُتبت فيها الرواية جعلني أرتعش.

مفاجأة!

أعرفُ الكثير من الكُتّاب الذين يستمعون إلى الموسيقى وقتَ الكتابة، ولكنني بشكلٍ أكيدٍ ومُطلَق، لا أستطيع ذلك. الموسيقى تُضعفُ كتابتي[v].
قد يفاجئك أيضاً أنّني أُجيب على إيميلات القُرّاء شخصيّاً. ليس عندي من يساعدني على ذلك، وتصلني يوميّاً حوالي المئتين رسالة.

وصايا جودي بيكولت للكُتّاب

• ادرسُ مادةً أكاديمية عن الكتابة. ستعلّمك أن تستقبل وتُعطي الآراء. ستُعلّمك أيضاً أن تكتب عند الحاجة.
• ليس هناك رصاصة سحرية تجعلُك بطلاً ناجحاً. إذا كنت تكتب لأنك تريد أن تصير غنيّاً، فأنت في المجال الخطأ. اكتب لأنك لا تستطيع إلا أن تكتب، أو لا تكتب على الإطلاق.
• اكتب حتى لو كنت لا تشعر بأنك تريد أن تكتب. ليس هناك وَحيٌ في الكتابة، إنها عملٌ شاق. تستطيعُ دائماً ان تُبيّضَ مسودة، ولكنك لا تستطيع أن تُبيّض ورقةً فارغة.
• اقرأ.. سوف تُلهمك للكتابة كما ألهمت الكُتاب من قبلك.

————————————————–
[i] ضرب إعصارُ آيرين جُزُر الكاريبي والولايات الشرقية من أمريكا عام 2011م، و يُعتبر من أقوى الأعاصير التي سبّبت خسائر بشريّة و ماليّة في الولايات المتحدة.
[ii] شيزوفرينيا: مرض انفصام الشخصية، صعوبة الفصل بين الخيال والواقع.
[iii] استخدمت الروائية التعبير الانجليزي (Grabbing the brass ring) للدلالة على محاولاتها المتكررة لتحقيق النجاح دون جدوى. راجع ويكيبيديا.
[iv] الكأس المقدسة هو اسم كأس النبي عيسى في العشاء الأخير، وارتبطت بالتالي ببعض القدرات الإعجازية. رمز الكأس المقدسة في الأدب الانجليزي يشبه رمز فانوس علاء الدين في الأدب العربي.
[v] استخدمت الروائية التعبير الانجليزي (Kryptonite) للدلالة على أكثر شيء يضعفها عندما تكتب. تمَت استعارة هذا التعبير من قصّة سوبرمان، وهو اسمٌ لحجر إشعاعي لا يوجد إلا في كوكب سوبرمان البعيد، والحجر يُضعفُ قدرات سوبرمان الخارقة. – See more at: http://www.araa.com/article/74791#sthash.OCcC1g9a.dpuf

Advertisements