كما يغني بوب مارلي – Central Park

Manhattan02_ST_07

(1)

إذا وجدتموني ميتاً بطريقة غامضة، فالمشتبه به بوب مارلي. يرقُصُ كأنه يتفادى رصاصَ الدمع، غزيراً و منهالاً من كل صوب.. كأنه يطأُ ظلمات السجون المتعانقة من آلكتراز إلى سجن العبيد. يرقص.. كأنه المجنون الذي لا تكتمل قريةٌ إلا به مخفوراً بالأزقة و أسرار النوافذ. أيُّ يومٍ ستُخرجه الآن من صندوق التعب يا بوب؟ إسمع، أعرف أنهم بخير، و يكبرون بعيداً عن ناظري، أنا أيضاً أكبر بشكل حسنٍ و يعجبني.. لكن،

ما حيلة المغبون في غربته؟

كُلّما جلس على الأرض ليأكل

تنادت أصوات أهله

و أفسح لهم المكان..

يُفسحُ، ينتظرُ، يبكي

و يُربّي الجوعَ

أليفاً

قطّةً في المنزل..

تلُفُ سيجارة من نبتة الوله يا بوب، أم أدعكها بأصابعي في بئر الغليون؟ بئر تحترق أحشاؤها بما نلقيه من حَطَبٍ حيٍّ و يتنفس، ترى في ظلمتها عيوناً تنظر إليك، عيون ما أكثرها- إنه دُخان الذاكرة يحملنا حيث الوجوه التي تُحدّثنا بما تشاء، ولا تسمع منا ما نشاء.. إنهم في كل جهة يا بوب، و عندما مشيتُ في شارع البرود-وي، شريان مانهاتن و خط منتصف الظهر حيث علا صوتك لآخر مرة، ظلّلتني هتافات محبيك في حفلك الأخير حتى وصلت السنترال بارك، وقفتُ في المكان الذي سقطتَ فيه، سقوطاً حُرّاً من هلكوبتر الوقت-و غنيت.. مَن يُطفئ الغليون بعدك؟ مَن يتعقّبُ العالم مثل نشرة طقس؟

يا مريض موسيقى الريغي، سلامات.. هل ميّزتني؟ أنا أحمد..

هناك من كان يتعقبنا منذ البداية.. وفي زاوية الطمأنينة تماماً أشعل الكشافات، و رآنا في الغيمة..

أنا أحمد، الأعزل إلا من جمجمة الطائر.. مُتهمٌ بالزهايمر دوماً، و دوماً في الصف الأخير من عُلبة الكبريت..

مهما فكرنا باحتمالات المقعد المجاور.. بحالات الأدرينالين، لنا مربعات الشطرنج قسمةً متساويةُ في هذا العالم، و سنصلُ سوياً يا بوب، للحرية و الحب.. و أخبرك بالفاجعة؟ انتهت صلاحية الريش، وجمجمة الطائر انتبذت قصياً في الكتابة..

ولا عليك، لا عليك..

و إن كان العالم يركّب أخطاءه مثل مكعبات الليجو،

و إن لم يعد للحب خدٌّ يلمعُ مثل قطع شواروفسكي..

لا عليك

و إن لم يعد الأطفال يلتفتون لوحدة الحصان المزركش في لُعبة الأحصنة الدوّارة

لا عليك

لم يعد للأنبياء مكانٌ بيننا،

صارَ الوحيُ خياراً في منيو مطعمٍ إيطالي، و صارت الرسالات توليفة غيتار..

(2)

بيدٍ عائمةٍ من نافذة سيارة مسرعة.. لمستُ الله في الهواء و في البشر. في الجموع المحصودة في كاميرا الشارع، لا أجد وجهي.. في مواقع البحث التي تمخرُ مياه التاريخ، لا أصل.. نتساقط كورق اللعب، والمحظوظ من تنجو له صورة واحدة بين ركام الحريق، يظللها دخان أسود من بقايا مدينة العدم.

في حارات بروكلين، كوينز و هارلم.. ينتظر السود خروج توباك، مهديُّ الرّاب، تلك الموسيقى التي وُلدت بين ساحلي مانهاتن، و راح توباك في حُبها قتيلاً بين حروب أستوديوهات التسجيل وأرقام المبيعات… قيل أن صديقه سنووب-دوغ خلط رماده بطحين الماريجوانا و دخنها مع باقي الفرقة الموسيقية.. ربما لهذا تهُزُّ رأسك للأمام و الخلف فاتحاً بوّابات الظلام، و قلبكُ خاتمٌ بلا إصبعٍ و أضاع حَجَرهُ الأم..

ستة وعشرون سنة كفته لكتابة تقريره عن العالم، ستة وعشرون و إصبعه الوسطى تشير للحكومات والشرطة.. و لا يزال خطّاطو الشِّباك و المداخن وجدران البنايات و أسطحها يتذكرونه.. لا يحتاج الناس في بروكلين للورق ولا للقلم.. بخّاخُ حبرٍ يكفي للرسم و الكتابة، لجعل الجدران تنبض، ولو رسموا باباَ على الشبك، ستدلف لو دفعته بيدٍ هيّنة. عقولهم مفتوحة للمطر، ليس بالمعنى المجازي، ولكن بالمعنى الأمضى للتعبير عن كل شيء على الجدران و الشِّباك، حتى يصح أن تسألهم: مالذي يدور في الجدران؟ سيخبرونك عن أحلامٍ و أمانٍ لم تستطع المداخن السوداء سوى أن ترفع فساتينها عن دفق مائه.

و بخفّة النفخ على إصبعٍ محروقة

أمسكني إن سقطت

عن شجرة اللوز

عن ضربة ملاكم تهشّم الفك تماماً..

قُل لي حين أخاف أن المرايا لا تعمل في الليل

أن ما رأيته ليس سوى انعكاس ضوء التلفزيون

على الكنبة الوحيدة

و أن وجهي لا يزال يحملُ وجنتين،

وجنةً يتسلل عليها لصوص الدمع،

و الأُخرى لأمي.

لستُ خفيفاً كحجر الدومينو..

ليس بعد هذا.. ليس الآن..

لكن، أمسكني

إن سقطت.

Advertisements