أحمد العلي فانديتا القصيدة – د.ميساء خواجة

mais.jpg

الحلقة الأولى

http://www.alsharq.net.sa/2013/06/26/878158

ظلت علاقة الشعر بالواقع مصدر جدل طويلاً تناوله الشعراء ودارسو الشعر والمهتمون بالنظريات الأدبية وعلم الجمال، ولم يصل هذا الجدل إلى رأي واحد نهائي حول هذه المسألة. وربما زادت هذه الإشكالية مع التسارع الواضح في الحضارة وآليات إنتاج المعرفة واكتساح العوالم الرقمية حياة الإنسان في كافة جوانبها، الأمر الذي زاد الإحساس بتضاؤل الإنسان أمام هذا العالم اللامتناهي الذي ينفتح أكثر يوما بعد يوم. وحين يتشيأ الإنسان ويقع في المتاهة المادية للحضارة يكون أمام أحد أمرين: إما الاستسلام والذوبان والتماهي مع المعطيات المادية، وإما التمرد ومحاولة الانتصار للروح والجمال وفاعلية الخيال، ونبش السكون والانتصار لوعي الذات، وإقامة جدل مع الواقع وسؤاله مع التناقض فيه ومعه. هنا يتوجه الشاعر – كما يقول أرشيبالد ماكليش في حديثه عن الشعر والتجربة – نحو «أشياء العالم لا ليكوّن أفكارا عنها، بل ليكتشفها، وبذا يكتشف نفسه وهو ينظر إليها».

تحضر هذه الأفكار عند مطالعة ديوان أحمد العلي «يجلس عاريا أمام سكايب» حيث المقابلة والمواجهة بين الإنسان من جهة، والعوالم الافتراضية ومنتجات الحياة المادية من جهة أخرى، وحيث الوعي الحاد بتقزم الإنسان في عصر التكنولوجيا (لست سوى نقطة حمراء / في عين قمر صناعي / هذا ما يظنه العالم).

وبدءا من العنوان الذي يشكل العتبة الأولى للنصوص، يقف القارئ أمام تغييب الذات من خلال الإحالة إلى ضمير الغائب في الفعل «يجلس»، كما يقف أمام تجريدها عنصرا منفصلا يوحي تغييبه بإمكانية الحديث عنه بموضوعية وحيادية. ثم اختيار هيئة الجلوس «عاريا» بما تحيل إليه دلالة الكلمة من العري الجسدي من جهة والعري الروحي والنفسي من جهة أخرى.. يجلس عاريا أمام ذاته والعالم، ورقة بيضاء يريد أن يخط عليها رؤيته وتساؤلاته.

تأتي المفارقة الأخرى في اختيار الطرف الذي تجلس أمامه الذات، وهو «سكايب» برنامج التواصل الاجتماعي الذي يفترض وجود طرفين على الأقل لإجراء محادثة ما، لكنه يظل تواصلا افتراضيا لا يحضر فيه التفاعل الإنساني المباشر والحقيقي.. (لم أختبئ / أجلس عاريا أمام سكايب / أنتظر العالم كله / لكن / لا أجد أحدا في القائمة).

هكذا على المستوى العملي يظل الفرد مع ذاته وحيدا في فضاء افتراضي، حيث تتحول الحياة إلى «نسخة تجريبية».. (في الصباح / وجدوه غافيا على بلاط الحمام / وفي شاشة الموبايل / كتب أعذار اللص الذي غاب عن السرقة / أن حياته نسخة تجريبية فقط).

هكذا تعلن النصوص وحدة الإنسان في عالم الماديات والتكنولوجيا، ومن هنا غياب البشر في معظم النصوص، وغياب أي صوت يدل عليهم في مقابل حضور واضح للأشياء المادية والتكنولوجية (موبايل – آيباد – حساب تويتر – الفيسبوك – الإعلانات – التليفزيون – …)، إضافة إلى حضور واضح للكلمات والتعابير الدالة على الاختفاء والذوبان والتلاشي، النهايات والوحدة … (كم أنا خردة)، (حياتي هذه كلها دحرجة / في طريق وعر / مليء بالفرسان المدعين)، وتصير حياة الإنسان فيلما نهايته مبتورة، غامضة، غير منتهية، هو فيها بطل صامت، أو متفرج، أو كومبارس، تحيط به الأجهزة وتحكم مسار يومه الذي تتكرر ملامحه بشكل يثير الملل، وعوضا عن التواصل البشري والدفء الإنساني يبني لنفسه حياة موازية افتراضية (أصدقاء الفيسبوك، البريد القديم، كلمات السر الحميمة، الهواتف الميتة) فتصير عالمه الذي يرفض دخول الآخرين إليه (وأنت لست مدعوة / حتى لرؤيتها).

حتى الحب يفقد دلالته المألوفة كما يفقد تعبيره المألوف.. (أجيء إليه كما يأتي عالم حيوان إلى غابة، كاميرا على كتفه، وحل يغطي قدميه، ويختبئ بعيدا، ليصور دقائق معدودة، هذا المخلوق العدائي الرقيق).. الحب مشهد من مشاهد أفلام قناة هولمارك، يغلب عليه الحضور المادي للجسد في لقطات سريعة، لكنه ينتهي أيضا إلى الفراغ (يا لهذا الحب! كيف يصور كل هذه الأشياء، ثم يلاطمها أمامي، في هذه الغرفة الفارغة).

إن هذا الوعي الحاد بهيمنة المظاهر المادية للحضارة قد يصاحبه انسحاب تام وانكفاء للذات على نفسها، أو انسجام تام مع المعطيات الجديدة، وكلا الأمرين لا يشكل اللحظة الشعرية والرؤيا هنا، إذ تختار الذات المواجهة والمساءلة المرتبطة بوعي العالم المتربص بإنسانية الإنسان (وحتى إنني / إذا فتحت الماء الدافئ / على رأسي/ تبخرت) الشاعر لا يقع تحت ضغط التكيف بقدر ما يختار المساءلة ونبش الساكن وقلق المعرفة. تبحث الذات عن إنسانيتها وكيانها الخاص لتكون (الصبي الذي صرخ في القرية / علمها الشك)، والابن الذي يسهر على أحلام أسرته (ليروا العالم بلا ورق جدران) وليعرفوا لاحقا: (لم أكن أصطاد سمكا / كنت أصطاد البحر) ، (سأبيت أنا / مثل بكتيريا خاملة في الفضاء / أنتظر مجددا دوري / للحياة ) فالإرادة والتمرد هما اللذان ينتصران على وحشة الفضاء ومادية الحياة (اصنع سماءك / اصنع سماءك)، (وكما أنت تسمع بكاءك / يجيء من الجانب الآخر دوما / هذا فرحك / خذه أيضا من مكان بعيد).

venmaisahm.jpg

الحلقة الثانية

http://www.alsharq.net.sa/2013/07/03/884194

الاختيار الواعي

إلى أين يتجه الشعر في هذا العالم المادي، وكيف يمكنه إعادة بناء وجوده؟ الاختيار الواعي يعبِّر عن نفسه عبر اختيار قصيدة النثر التي تناوش الساكن وتتمرد على ثبات المفاهيم، وعبر إعلان اختيار مفهوم للشعر يتسق مع الرؤية الفردية ووعي العالم (أبحث عن الشعر/ بوضع السم للكلمات الهاربة دوماً / تحت الثلاجة، عند الفراش/ وفي سلة القمامة/ لست رومانسياً لأجده بالتأمل في شلال / أو ادعاء التخاطر مع كوكب.. / هذا عالم متوحش/ الدمار فيه يوزع أرزاقه / كلماته يسعى بها جراد معدني / من بريد الرصاص) هكذا ينزل الشعر من عليائه، ويرسخ لجماليات جديدة تأخذ من الحياة اليومية، وتبني مع العالم علاقات جديدة تؤسس فيها لجماليات جديدة لا تبنى فيها على مفاهيم مؤسسة بشكل مسبق.

تقنيات سينمائية

من هنا بنت النصوص جمالياتها على توظيف تقنيات السينما والإفادة من عناصر المونتاج والمشاهد المتقطعة واللقطات المكبرة والمصغرة، حيث تبدو القصيدة مثل لوحة، أو مشهد، أو فيلم قصير، تركز فيه العدسة على ملمح من ملامح حياة إنسان وحيد يواجه عالمه ويبحث عن إنسانيته، ويأتي توظيف السينما هنا من خلال المشهدية وحركية العين التي تقوم بدور عدسة الكاميرا التي تلتقط التفاصيل الصغيرة والحميمة، وتوظيف المشاهد القصيرة المركزة (ميديا، الصور التي لم تلتقط، درج، فيلم وثائقي، غيبوبة، فجأة العين الوحيدة … إلخ)، ومن خلال العبارات التي تصف حياة الإنسان بالفيلم القصير، أو توظف كلمات ترتبط بمجال السينما (زوم بطيء، شورت – كت، الكومبارس، معجزة الأفلام، مقطع يوتيوب، فيلم جديد، انتهى عرضها، أفلام هوليوود، المخرج، شاشة العرض … إلخ).

مفارقة وغرابة

إضافة إلى ذلك بنت النصوص شعريتها على الصورة المبنية على المفارقة، صورة تعيد تركيب العالم بطريقة جديدة، وتبني علاقات مختلفة بين الأشياء. يقوم عدد من النصوص على الغرابة وكسر الألفة بشكل يجعل القارئ يرى العالم بصورة مختلفة، ولعل هذه هي إحدى الوظائف الأولى للفن، حيث يعيدنا إلى الدهشة ورؤية العالم الأولى. يبني النص كثافته بعيداً عن مقومات الإيقاع المألوفة ليدخل في تركيب الأشياء بطريقة مغايرة تنهض أمام مادية الواقع لتفتح بوابات الخيال الذي يعيد للأشياء دهشتها وحرارتها. ( سأبيت أنا / مثل بكتيريا خاملة في الفضاء) ، ( كنت مكتملاً / وناضج الصدفة / مثل رصيف)، ( أن مطلبك ليس أصعب / من أن تبلل علبة بيبسي منقارها من شفتيك/ لتطير أمامك)، ( قامته التي براها الألم / تقف / مثل قلم باركر أنيق)، ( دخل حياتي/ دخول التليفون إلى قريته / جديدا مبهما ، أخو شيطان مارق / ولا يزال ) وإذ تستمد الصور عناصرها من مفردات الحضارة الحديثة ، ومن معطيات اليومية يتزاوج النثري بالشعري ليشكل النص عالمه مبرزا طاقة الكشف والتحول الكامنة في المفردات التي تبني شعريتها الخاصة بها.

عوالم خاصة

وإذ ينهض الواقع المادي بكل حصاره يحاول النص أن ينشئ شعريته عبر الانفتاح على عوالمه الخاصة التي يستمدها من شعريتين أساسيتين هما شعرية الذاكرة من جهة وشعرية الحياة اليومية من جهة أخرى. وتُعد الذاكرة مصدراً شعرياً أساسياً تقابل فيه الثورة المعلوماتية وتتناقض معها، ففي عالم التسارع المعلوماتي اهتزت العلاقة مع الأشياء والأفكار ومع العلاقات الإنسانية، وتغيرت مفاهيم الزمان والمكان بحيث صار الإنسان يبحث عن وجوده الخاص ونموذجه المتفرد، وبناء آليات دفاعه الخاصة. هنا تغدو الذاكرة موطناً وملاذاً، وتحضر عبر مجموعة من النصوص التي تستدعي تفاصيل الطفولة: البيت ، الشارع، الأسرة، الأهل، الحب الأب، الجد، بحيث تشكل كلها العالم المألوف الحميمي الذي يحتفظ بدفئه الإنساني في مقابل التكنولوجيا الحديثة التي ترسم للبيوت ملامح متشابهة مكررة (غوغل / أيها الوغد / كيف تجرؤ على القول للعالم / إنك تعرف كرسي أمي الوثير / أكثر مني؟) لكنها في النهاية لا تصمد تماماً أمام مادية الواقع المعاصر (ذاكرة لا تساعد على استعادة أي دفء / كأنها مسجلة تسرع في قراءة شريط كاست).

أصدقاء افتراضيون

في مقابل الذاكرة تهيمن شعرية الحياة اليومية (الشارع، المنزل، العمل) لكنها حياة باردة محاصرة بالواقع الافتراضي، وحيت يبدو الأصدقاء الافتراضيون أكثر حميمية وقرباً من العلاقات البشرية اليومية ليبني الإنسان في النهاية حياة خاصة موازية (هذه مزرعتي الخاصة / وأنت لست مدعوة / حتى لرؤيتها)، (ليس يرى في تسكعه / من يبتسم له / سوى الفترينات / يراقصها في واجهات الدكاكين / ثم يدعوها للحب)، (يحدث كثيراً / أن أكون في اجتماع عمل / مثل الآن / مع أناس / مثل هؤلاء / هناك ما يحقنني بمصل الصمت / والملل / يهرب مني …) لتنغلق الذات على نفسها أكثر ويلجأ النص إلى نثرية توازي برود العالم وتفاصيله المكرورة المملة.

محاولة وملل

وإذا كان الديوان يبدأ بإعلان «الحياة نسخة تجريبية»، ويختار النبش والحفر وعدم التماهي فإن القصيدة الأخيرة تكاد تختصر ملامح العمل كله: المحاولة / الإحساس بالخواء (كتبت على ورقة صفراء ألصقتها بالجدار / أنني حاولت)، (الملل مرض عالمي / لكأن السعادة حبة دواء ضائعة في صيدلية العالم) وتصير الحياة خيمة سيرك والإنسان يلبس قناعاً ذا وجهين، يرى النص وجهه القاتم، ويرتدي الشاعر وجهه الحزين، وما بين الإحباط واليأس تأتي المحاولة لنبش سكونية العالم ورفض ماديته.

قناع وابتسامة

هكذا ما بين صفحة غلاف الديوان الأولى ومقدمته، وبين صفحة غلافه الأخيرة يظل الإنسان يعالج وحدته، يواجه مرآته / سكايب بملابس رسمية ووردة، وأيضاً بقناع جاي فوكس الرمز الاحتجاجي الذي يطل بابتسامة ساخرة على العالم. بين هذين ينبني عالم النص، حيث وجود الإنسان في عالم المادة المعاصر حياة موازية أو نسخة تجريبية لفيلم عبثي أو كوميدي على طريقة الكوميديا السوداء، فيلم يقوم فيه الشاعر بعرض لقطات مكبرة ومصغرة لمواقف حياتية ولحظات مختلفة يواجه فيها الإنسان حالاته المتعددة. ومع اختلاف الوجوه / الأقنعة التي يرتديها تتعدد إحالات الخطاب ما بين الـ (هو / أنا / أنت) ، وكلها مرايا تواجه فيها الذات نفسها وعالمها الذي تحمل فيه عبء وجودها، ويكون لها أن تقول في النهاية (هززت رأسي / في هيئة من يطرد موتا / وكتبت على ورقة صفراء / ألصقتها بالوقت / أنني حاولت).

Advertisements