كعوب البنادق – The Met

كعوب البنادق

0016

 

(أ)

تغرسُ كعب البندقية في كتفك، كتفٌ ملائمٌ و موثوق ولا يتزحزح حتى عن الرّب، كأنه فزّاعة. تفتح ُ كدمةٌ زرقاءُ فيه جفن الألم ساهراً و يُحصي الطرائد.. عَينُك قبّاظةُ الروح تسيلُ في عدسة التصويب، و عندما يرتدُ كعب البندقية ليزيد الكدمة حِبراً- دُكنةً النبع العميق، ترى البارود في الهواء منتفخاً و مشدوداً مثل ذراع بروس-لي.. كعبُ البندقية إذ يرتد تعرفُ أن في البُعد ما يختنق، إعصارٌ يتثاءب و يوصي عليك من حوله بالجنون و الانتقام، لكنك لا تهرُب.. تنفُضُ الضباب عن كتفك، تنحني على ركبتك و تفُكُ ماسورة البندقية.. تحشوها برائحة الأرض، بالأسماء كلها، بصوت سيلين ديون، ببوّابة مطارٍ غامضٍ.. بأحاديث غُرف التدخين الحميمة، بمنبه ساعة الأمل، بحلبة رقصٍ في الويك-إند تماماً.. تجدّد مواثيق الكدمة؛ كَعبٌ يعوي، كتفٌ تلّة، و غُرفتك هي العالم.

(ب)

– هذان كيسان صغيران للسُّكّر و آخر عدد من مجلة بلاي-بوي، قهوتك ساخنة.. جرّب ألا تتخيّل أنك رامبو أو روكي.. ليس هذا دورك، لمَ تحفظُ دائماً ما لم يُسند إليك؟ كتفك المخلوعة متى ستتريث؟ قاعة المتحف واسعة و مليئة بالحضارات و التماثيل العارية، رأس الإله زوس على يمينك، بقرنين و شعرٍ مجعّد و رقبةٍ خشنة، يحرُسُك في الزاوية هرقل بقوسه الذهبي و قد قرأت عليه مرة أخرى رسالة محمد بن عبدالله فلم يتحرك.. عشتار تفتح فخذيها و آلهة البحر و الموسيقى و عناصر الحياة يحدقون فيك.. لمَ لم تحفظ الدور؟ لو تحرّك بوذا الضخم من مكانه لسقط الكوكب، هو يحفظ دوره جيداً.. لو أن ذاك الباب السرّي في معبد الفراعنة يفيضُ بلعناته على الزوّار لكانت نيويورك بيتاً للعناكب و الجراد.. لو تراقصت أقنعة الأفارقة و أشعلوا النار من تحتك.. لا يكفيك كل هذا و تحُنُّ لكعوب البنادق و أذرعة البارود.. لم أعهدك تحنُّ لطفولتك التي لا تذكر منها سوى شيئين: جَدّك الثقيل كمرساة، و أميتاب باتشان، شبيه النخل و النظرة الباكية، حاملاً على كتفه تمساحاً و يتكئُ في مشيته على كعب بندقيته.. يواجه الشرّ عارياً إلا من قميص الحب، عندما كان العالمُ واضحاً و قُطنيّ السريرة، أبيضاً و أسوداً.. بلا أيِّ بكسلٍ نافرٍ من شاشة الحياة.

– لم أولَد بقلبٍ نبّاضٍ مثل الذي عندك.. كان عليّ أن أبنيه طوبةً طوبة.. أشق المداخل و أرفع الأعمدة.. كان عليّ أن أفتّق عروقه كأول دفقة دم في شريان الجنين، مفاجئ الشهقة. في مهب الأيدي الناعسة، في رصيفٍ كريم الصدف، أعلقه كل يومٍ على شجرة و انتظر الطير. يدي ترتجف الآن، جبلٌ آخرٌ على كتف الذاكرة.. و تلك كعوب البنادق.. لم أحبها لشجاعتي، أبداً.. أقول دائماً أنني أعشق جدي الأكثر قدماً من الرمل.. ذلك الجد الذي عندما انتفضت قبيلته للحرب، شالَ جدتي على ظهره و هرب، دائماً جهة النبتة.. لهذا أنا حيٌّ الآن.. و انظُرْ، ليس أخف من عفشي ، خطوتي زائرة و أنامُ بنصف عين، و أقول لكاميرا المراقبة أن لا لصوص في قلبي و سأعبُرُ الباب، فتُضرَبُ السدود بيننا ولا يراني أحد.

(ج)

حسناً إذاً.. هذه قاعة البنادق و السيوف.. ترى لسيف الساموراي نصلاً يرتجفُ له الهواء، و لعذوبته يعزف الموسيقى لو اهتز، وحده يجتذبُ الضوء من آخر العالم رغم غمده الفقير و السيوف من حوله مُطفأة الجواهر.. يُشيرُ إلى اللباس الحربي لمُقاتل ساموراي مُفترض.. شعرت بمغناطيسٍ عالٍ بينهما و خفت، كل شي حولي هنا مُلتزمٌ بدوره و يحفظه بدقة.. ماذا عن البنادق؟ هاه أيها الكتف الحزين، نذهب؟..

– كعبُ الخشب الحنون: قطعة الخشب المحفورة بعناية الأم، يتوسطها دُغلٌ عالي الأشجار، كأن الخشب يتذكّرُ أحلامه. من خبأك هنا؟.. الراعي ينفخ في بوقه، يغني حُبّه و الغزالة بجانبه سكرانة.. ما هذا يا هذا؟ أيها النجّار.. عندما يرتد هذا الكعب على الكتف، يُعشبُ و تطفر الخمرةُ و يرتاعُ الوادي.. من خبأك هنا؟.. لم يختبئ زكريا في الشجرة.. كان هو الشجرة.

– كعبُ العاج و صرخة تدوي: هل كان على الفيل أن ينحني لتشلع العاج من رأسه؟  يشخب الدم و يُجنُّ الخرطوم يُمنةً و يُسرة؟ ما هذه الروح التي لم تهرب من سفينة اللحم هذه؟ ثم تنحتُ على قطعة العاج وردةً أو ملاكاً عارياً، أو تنحت نفسك طاعناً بالرمح أكباد الطرائد.. ما أنت؟ لو سألت الفيل قرنه لما بخل، لكنك الوحش، لا تسأل ولا تُجيب.

– كعبُ الحديد الحزين: أخيراً أمسكت الليل من رقبته و رميته في الفُرن.. سيبقى يذوبُ ولا ينتهي، تسُلُّ من كبده قطعاً زرقاء داكنة، تمزجها بفضةٍ لامعةٍ من ألواحٍ أسندها القمرُ في ورشتك البارحة، ثم تصبُ هذا الكعب الصعب.. ثقيلٌ على الروح و يستدرج الدمع، تدقه، و تدقه، و تدقه.. لا يُطلقُ إلا في يد عاشق، ولا يقتلُ إلا عاشقة.

– كعبُ الذهب، لمعة الوهم: ربيبُ الكهوف.. منذ انتفخ قلبه بالهواء لم يتوقف عن التنفس، لا يعطب.. ربيبُ الظلمة والصخور المأخوذة  بالأرق لتتدلى مثله في إصبعٍ ناعمٍ و عُنُقٍ مجدولٍ بعناية.. لكنه الآن يستلقي كورقة شجر ذابلة في هذه الكعوب.. يُعطي للموت لمعةً أخيرة في عين الطريدة، و يعتذر..

– قبلتُ اعتذارك

الفراغُ الذي تشكوه من حولك

كان أنا

الوجوه الكثيرة التي أخافتك

كانت أنا

الفتيلُ الذي يتذكر الاحتراق

كان أنا

في بارٍ مُظلمٍ إلا من قُبلٍ شفيفة

تهتز لها القناني

كشفتُ وجهي

فاهتزّ كتفك سريعاً

و سال في يدي

قلبي.

 

016 011 013 010 008 0017 019 005 006 012 014 015 009 018 007 021 020 022 023 024 025 026 027 028 029 030 031 032 033 034 035 036 037 038 039