أسماؤنا وحدها أثاثُ المقابر – DISCOVERY: The Pulse Exhibit

 أسماؤنا وحدها أثاثُ المقابر

000000

(أ)

نحتاج للمُجرمين.. للقلب الثّلجة، لغُرف نومهم المُظلمة أبداً لتحميض الكوابيس.. لصورهم الأمامية و الجانبية في خزانات الشرطة و ملفّات الإنتربول.. نحتاج للمُجرمين، لأعينهم الصفراء الباردة، لخيالهم الذي يصوّر لهم أن يتوحّشوا فلا يتردّدون.. فلا شك أنّ الجرّاح الأوّل كان رأس السلالة ليضع مشرطه على صدرك أو إبرةً ينخُزُ بها بؤبؤ عينك، كان فامباير ترافقه دائماً موسيقى رُعب و خطر عالية.. مؤثرات صوتية تولد معه فيعتاد على مَكَنَة الأدرينالين تضرب بكراتها و اسطواناتها في قلبه.. كل ما يتعلّق بالموت ابتكره المجرمون، منذ التحنيط الأوّل و حتى آلات الحفاظ على الحياة، محاليل تجفيف الخلايا و كابلات الصّعق الرحيمة.. لم يعد الموت ورقة جوكر، و لا قبرَ يستطيع أن يضُم هذا الجسد.. تستطيع البدء بالعد التنازلي إن شئت حتى يوم القيامة،  فقصص البعث عند الشعوب كثيرة، و أجملها المُعاد صياغتها بكاميرا أصفى و مسرحٍ أوسع و صوتٍ أجش.. كأن تقول لك مخطوطة الموت، مخطوطة الفراعنة المسطرة على ورق بُردي معروض في متحف المتروبلّوتن أن مصيرك للتحنيط، أن سبعين تعويذةً و لعنةً و أنشودة ستُنقش على جسدك و كفنك، أن أكواماً من الأقمشة المكوّرة المنقعة في محاليل كيميائية ستسد تجويف قلبك و دماغك بعد اقتلاع الأول من جذوره و سحب الثاني مسلسلاً من أنفك..أن تُدعك بالكافور ليتسنى لأبواب الغيب أن تتعرّف على سحنتك و تبتكر لك حياة بعد موتك. و إذا أصخت السّمع مليّاً، ستعرف صوتاً جديداً لمُجرمٌ ألماني يقول لك أن يوم القيامة هو يوم انفجار الشمس بعد 5000 مليون سنة.. سيكون لون العالم أحمر، و أنه سيترك باب متحفه هذا مفتوحاً لتخرج الجثث إن شاءت لتسير في الشوارع من جديد.. أما أنا، أنا المسكين الذي رأى عشرين بوقاً مُعلّقاً في إحدى المتاحف، لم أفهم ماذا سيجري لنيويورك لو أنني كسرت الزجاج و بيدٍ داميةٍ سحبتُ بوقاً و نفخت فيه، ماذا سيجري؟ هل سأجد أرواح العالم مكوّمةً في السقف؟ أُحدّثُ جدّي؟ أفجّر الشمس؟ المؤكدُ أنّني أستطيع البدء بالعد التنازلي.

(ب)

“جسمك قيثارة روحك.. هو لك لتعزف به ألحاناً جميلة، أو أصواتاً نشاز..”.. يجيئ الشعر ليلصقني بالجدار و يشير بسبّابته في وجهي: إهدأ. حسناً يا جبران، في معرض الجثث هذا، لـِـمَ عسايَ أتعجّل و للمتبرعين بأجسادهم لتُعرض هنا كل هذا الجَلَد؟ هل كنت تدري أن سطراً من شعرك سيستقبل الزوّار في متحف المُجرم الألماني ليهدؤوا ولا يفقدون عقولهم؟.. قام طبيب التشريح الألماني بابتكار طريقة جديدة لتحنيط الأجساد.. تثبيت أجزائها الداخلية كما هي بألوانها و تركيبها و إبراز أدق تفاصيل تفاصيلها، علّقها في الشهقة، في خطوة النزول للقبر، و كسّد سوق حائكي الأكفان و مباخر الكهانة.. تفنّن في ابتكار قشعريرة جديدة للأحياء. مكّنت طريقة التحنيط الجديدة هذا المجرم الألماني من أن يفعل بالجسد ما يريده و يبقى مؤتلقاً، ناعماً و بارز اللون.. يستطيع أن يُخرج الدماغ و يضعه فوق الرأس، و أن يجعل الظهر محنياً للأمام في حين أن العمود الفقري ينفر من الخلف.. يستطيع أن يجعلك ترى رِأة محمية بقفص صدري، و أختها عارية.. أن ترى الحجرات الأربع لقلبٍ حقيقي، الخندق القاسم للدماغ، كبداً أبيضاً من الخمر،  إلتحام العضلات بالعظام كما تلُفُ جداتنا بعناية قماشة على قنينة دهن عودٍ باذخ. تسمح طريقة التحنيط هذه للجسد أيضاً بأن يتجمّد كالحجر الكريم في حائطٍ كهرماني.. فيجيء المجرم بمنشار و يأخذ مقاطع عرضية و طولية للجسد كاملاً أو لبعض أجزاءه، ثم تُعرض كلوائح لرؤية حميميّة تراكم أعضاء الإنسان الداخلية بجانب بعضها البعض.

.. و بدأت القصة منذ عشر سنوات بعد نجاح المُجرم الألماني في اعتماد طريقته الجديده للتحنيط  أكاديمياً، أقام مشروعاً لاستقبال المتبرعين بأجسادهم بعد وفاتهم لأغراض تعليمية، و جاءه المتبرعون بأصدق ما يمكن للإنسان أن يُقدم عليه.. لكن العُقدة لا تكمن في الأموات، بل في الأحياء.. تحنيط أجساد المتبرعين و عرضها على الطلاب و الدارسين شيء مقبول، لكن أن تعرضها على المجتمع! أن تُعطي السائر في الشارع الإمكانية لرؤية أجساد بشرية مشرحة، هنا بدأت الحرب عليه في ألمانيا.. مظاهرات في الشوارع، محاورات ممثلي أكبر الكنائس له: هل أنت الخالق؟.. وقوف مؤيدي الكنيسه من السياسيين و الصحف ضده، و لم يعبأ بشيء سوى بغريزة الإجرام الحميدة في دمه.

استعان بفلاسفة الجامعات ليضعوا مسألة الكرامة الإنسانية و معناها على طاولة النقاش، بأطباء التشريح ليحكوا تاريخهم الممتد لمئات السنين، تاريخ آبائهم المجرمين الذين أصدروا فجأة كتباً تشريحية لجسد الإنسان بعد أن يغيبوا و يختفوا و يُشَك في موتهم لسنين طويلة.. هي نفسها الكتب التي تراكمت و صارت علماً، علمُ التشريح الذي ابتكر فكرة الروح لينجو بعبثه بالجثث على يد بلاتو، تلميذ أرسطو قبل 25 قرناً، أمّا العظيم ليوناردو دافنشي، فكان يعتلي أسوار المقابر، يسرقُ جُثّةً و يعدو بفريسته لجُحره ويسهر الليالي معها، نديمُ الموت سرق 11 جُثّة في حياته!!.

ألجمهم الألماني بالتاريخ، بالفراعنة و مُدُن الأموات التي بنوها و صوّبوا فوهّتها للخلود، بطرق مختلف حضارات أعالي الجبال و السهول و السواحل في الدفن و الحرق و التغريق.. بالإسكندر المقدوني الذي أغرقه أصدقاؤه في تابوت رُخامي مليئ بالعسل عائدين به ميتاً لأرضه، فقد كانت طُرُق حفظ الأموات المقدسين شبيهة بطرق حفظ الطعام وتخزينه. ألجمهم أيضاً بالخوف، بمعتقدات كهانية قديمة ألزمتهم تعريّة الميّت قبل إخفائه و تغطية وجهه، بجهود العرب التشريحية في بيت الحكمة البغدادي قبل هجوم المغول.. في وقتٍ كانت الكنيسة تُبيح لعلماء التشريح الحصول على جثث المصابين بالطاعون و المُعدمين بالشنق، فتُجرى عمليات التشريح المُرافقة لحضور أعظم فناني الرسم و التشكيل ليرسموا ما يروه بدقة في مسارح مفتوحة للعامة، فيهشّ لها الناس هشّ العصافير لماءٍ نادرٍ و مكنون.. فكان أَلَقُ المبضع المُجلجل، و كانت ريشة الفنان الحزينة.

شرّح الألمانيُّ التاريخ كما شرّح أجساد المتبرعين.. جمع كل الأدلة الكنسية المبيحة للفرد المتدين بأن يتبرّك ببقايا عظام و أجساد الأموات.. أتى بصور الكنيسة التي يُزيّنها أكثر من 400 هيكل بشري و قال: ما هذا؟.. أراهم شموع القراصنة المسيحيين إخوة الذهب وقنّاصي الكنوز الذين يعتقدون أن الشمعة يجب أن تُرفع بإصبع أحد الأموات لكي يدلّهم على الكنوز من عالمه الكاشف لكل شيء.. بأعظم قادة الحروب الصليبية الذين سلخوا لحم أمواتهم و أرسلوا عظامهم فقط مطبوخةً لأهاليهم لكي لا يُثقلوا القافلة. أدار لهم أخيراً فيديو تشييع لينين و الخميني و عرض أجسادهم للعامة لأيام طويلة بعد وفاتهم: كل الحضارات ترفع للتحنيط و التشريح مهابةً و جلالاً، إن الموت لا يعرف عظيماً، أن الأجساد كلها سواسية و أن الإنسان بموته لا يعيش إلا في ذاكرة مؤقته سيجدها سيّافُ النسيان، و ليس له سوى أن نحقق له الأمنيات الأخيرة، أن القبر نكتة!. طلب منهم أن يكفّوا عن الموت: كفّوا عنه فلطالما عاش بيننا غريباً لا يُعرف وجهه ولا يُعرف له لسان.. و بنظرة الذي قال للموت سأُنصفُك، فتح المعرض للناس.. و أنا بدوري، لم ألتفت حتى للمطر.. قطرةٌ واحدة قد تُثقل جناح الطير.. قطعتُ التذكرة و دلفت لأرى فعل هذا المجرم، فذُهلت.

(ج)

إذاً، هذه جُثث حقيقية محنطة لأُناسٍ حقيقيين ماتوا.. واو!! ماهي أسماؤهم؟ أعمارهم؟ من أين جاؤوا؟ لا أحد يعرف.. أضحكتني العجوز التي أشارت إلى دماغٍ مُجمّد معروض في مكعّب زجاجي و قالت لزوجها: منذ متى تعرض دماغك هنا و تعود للبيت بدونه؟ ضحك الزوج و دفع كرسي العجلات الذي تجلس عليه العجوز إلى مكانٍ آخر.

يأخذك المعرض في جولة حقيقية لتفهم كيف يعمل الجسد بكل أجهزته، ولا مراجيح في الغيب، ستجيء أعينك و تذهب على شريان قلبِ مُصابٍ بجلطة لترى وجهها الأسود أمامك، هي المخيفة حقاً لا الأجساد، سترى تفحّم رئة من التدخين كأنها كسّارة الكعبة، لهذا خُيّل لي هناك أن الإنسان كُلّما أخطأ صار جسده حجراً أسوداً. تسير لترى الأجساد تباعاً، أكثرها إعجاباً ودقة لعلماء التشريح أنفسهم هو جسد المُفكّر.. أُجلس هذا الجسد على كُرسي و وُضعت أحجار الشطرنج أمامه، و قام المُجرم الألماني بتفصيل عروق الصدغ و طريقها المتصل بالدماغ المشقوق بدوره إلى نصفين و البارزه عروقه المتعددة الألوان، مُشيراً إلى أقدم جزء من الدماغ في عملية التطور، وهو معبر الحياة، الجزء الرابط بين المخ و أعلى الرقبة و المسؤول عن الوظائف الأساسية للحياة (التنفس، النبض، تنبيه الاستيقاظ من النوم..).. حتى نظرة العين قام بتفصيلها و تفصيل عضلات الإصبع المحرّكة. أمّا الجسد المبهر الآخر فهو للفارس.. الفارس الذي يعتلي حصاناً محنطاً بالكامل، حصاناً يقف على قوائمه الخلفية و الفارس يحمل في يده اليمنى قلبه و في يساره دماغه!!. أما الشجرة، الشجرة المعلقة بخلفية سوداء فلم تكن جسداً، كان الحبل الشوكي متصلاً ب31 عرقاً رئيسياً مشكلاً الجهاز العصبي،  مشبوكةّ و مُخاطة و معقودة ومتسلسلة ومتموجة و متنافرة.. هذا الجهاز الدمث الذي يعمل بنبضات كهربائية لا تكفي لإشعال لمبة السقف، أشعل الأرض و ربها.

بعد رصف الأجساد في أوضاع طبيعية و غير موحشة، و غالباً في أوضاع رياضية، أجساد تلعب كرة القدم و السلة و الجمباز و السباحة و المشي و الجري و غيرها.. تجيء أجساد رّكّبت لتُمثّل أفكاراً فلسفية أو خرافات أو تجسيد للوحات مشهورة.. هناك الجسد الذي يحمل قلبه بين يديه ناظراً إلى ربه.. و هناك الجسد الذي يرفع جلده المسلوخ بيمينه الى الأعلى، و الجسد النازل إلى قبره بنظرة حزينة..جسدٌ رُكّب على غرار أحد تماثيل مايكل آنجلو.. أما جسد الأدراج، فصُمّم ليُطابق لوحة سلفادور دالي: رجل الأدراج.

ينتهي المعرض بالسر الوادع الذي ننساه دائماً: كيف جئنا؟. ينتهي بزجاجات صغيرة في كل واحدة منها جنين في مرحلة معينة من عمره.. اسبوع، اسبوعين، شهر، شهر ونصف.. حتى جسد الأم، امرأة مستلقية و بطنها مشقوق ليظهر جنينها مختبأً في الرحم..  يدّعي الألماني أن هذا الجسد المحنّط لا عُمرَ له ولا وقت مرئي لذبول زهرته.. و لم أكن أريد أن أصرخ.. لا.. أملي يكمن في أن العيون التي رأيتها ليست حقيقية..

أُصدّق كل شيء في هذا المتحف

إلا تحنيط النظرة،

مالذي سوف يبقى إذاً

لياقوتة الحُزن

لأسلاك الهاتف، معطف المدينة الباردة..

أَدَعُ كُرسيّ الحديقة يُربّي الغربان؟

أفضَحُ خُلوة الهارب؟

علينا أن نودّع شيئاً ما

إلا النظرة..

و تذكّرت،

قال لي أحدهم منذ قليل: وداعاً.

هاه!

أين أنا؟

أغلق الباب خلفك.

00000000 00000000000 00 0 001 002 003 004 005 006 0007 007 008 010 011 013 014 000017 00017 0017 017 018 019 020 27 30 32 33 34 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58