تركيب عظام الكون المفقودة – American Museum of Natural History

تركيب عظام الكون المفقودة

001

(أ)

مَن هناك؟

كُفّ عن هذا الجزع.

سأكف، ولكن من هناك؟

ليس من أحدٍ هنا أو هناك سواك أنت، أنت وحدك.

أوه، حسناً.

(ب)

يختزن العِلم كمية هائلة من الشعر لم أكن أعيها قبل زيارتي لهذا المتحف.. ربما لأنه يعمّق إحساسك بالتفاصيل، بجهلك، بجهود آلاف العلماء الذين يواجهون شيئاً واحداً، واجهه كل الشعراء الذين نحبهم لكن دون أن يبوحوا به: المجهول. قرأت يوماً أن الشعر و الفلسفة لم يكونا يختلفان عن بعضهما في شيء. عندما قال البشريُّ القديم أن المطر بكاء إلهة الحب الحزينة، كان يقول شعراً وفي نفس الوقت كان هذا ما يؤمن به حقاً.. أي أن استخدام اللغة للتعبير الجمالي هو نفس استخدامها للتعليل الذي ولد السببية وبالتالي الفلسفة.. لهذا كانوا الفلاسفة والعلماء القدماء يكتبون الشعر على اختلاف اهتماماتهم و لغاتهم. أقول: أنا الذي يؤمن من حولي الى الآن أن الأرض محمولةٌ على حوت يسبح في بحر كوني أسود، أن الشمس الوحيدة في مدارها تعقل وتفهم وتُجيب الدعاء، أن الأحجار الكريمة المكنونة في بلايين الكواكب وملايين المجرّات تخصّنا بهباتها و تساعدنا على اجتلاب الأحلام و تفكيك مَكنَة المستقبل ومصانع الحياة، تصفّحت الكون في هذا المتحف، حتى وصلت لصفحة تخصني، فدخلتها و توسّدتُ فيها.. ألقيت التحيّة على آدم الذي لا لسان له، وقبّلت جبين أوّل بكتيريا تنفّست في قاع أعمق محيط، تلك التي ركّبَت أوّل عنصر للحياة: الأوكسجين.

(ج)

قاعة الكون: علوم الفضاء.

المجنون الذي أطلق أول إشارة راديو لمراقبة الفضاء.. المجنون الذي أوصل تلك الإشارة إلى مناطق لا يصلها الضوء إلا بعد 70 سنة ضوئية من الركض، هل مات قبل أن يرى راية الضوء من بعيد؟ ربما.. لكن الضوء لا يتعب، وهذه صورة لمجرّة قريبة من مجرتنا درب التبانة.. تلوّنها غازات تحيطها مثل خاتم نبي.. ألوانٌ لو نظر إليها غروب الشمس لفقد رومانسيته. هذه الصورة استغرقت مليون سنة من الترحّل على خيول الضوء لتصل إلينا.. أمّا هذه المساحات السوداء فهي الأجزاء التي لم يصلنا الضوء من جهتها بعد، فتبعد 5 بلايين سنة ضوئية..

فكرة فوتوغرافية مبهرة وغير واقعية على الإطلاق، أن تشكّل من مجموعة صور تعود كل واحدة منها الى تاريخ مختلف خريطةً للكون، هو الخيال نفسه وإن كان علماً، هو الشعر.. كأنك تضع صورتك العشرينية بجانب صورة عشرينية أخرى لجدك الذي مات، وتقول: سأذهب لزيارته الآن في القرية. لكن مالممكن فعله لرؤية الوحش الذي نعيش في أحشائه؟ صدقني.. حتى الكواكب نفسها خائفة.

صُمّمت قاعة الفضاء بطريقة مبهرة.. تدلف إليها لتجد على الأرض دوائر، كل دائرة هي رسمة لكوكب من كواكب المجموعة الشمسية، و تقف في جوانب الدوائر جداريات تحكي تاريخ الكوكب و تشرح عناصره ومكوناته و تعرض مقاطع فيديو عنه، و في وسط القاعة تماماً طاولة الشمس.. طاولة مغطاة بطبقة زجاج تحبس تحتها محلولاً يشبه العناصر الملتهبة المشكّلة للشمس: إقترب أكثر، لم تكن الشمس شيئاً سوى قلب أمي.

في جوانب القاعة جداريات المجرّات.. هناك وجدتُ نفسي أُربّي الخوف، كم نحن مخلوقات ضعيفة وهائمة في برّيّة الفضاء الهائم.. و الدرج المختبئ قليلاً هناك يأخذني في رحلة حلزونية للأعلى، لسقف المعرض.. شُكّل الدرج بطريق حلزونية بحيث يكون رأس الحلزون يمثّل الإنفجار الكوني، و تحت قدميك و أنت تخطو صاعداً الدرج مسطرة كونية تشير إلى الزمن و إلى ما كان موجوداً في الكون من غازات في تلك الفترة الزمنية.. مليون، ثلاثة ملايين، عشرة ملايين سنة بعد الانفجار، لحظة الصفر.. أنت تسير على تاريخ الكون بفرح وسهولةٍ ربما تُغضب الكونَ نفسه، هذا الوحش الكبير المستفز واللامع النواجذ.

في القاعة رأيت الحجر الذي يرميه الله على الشياطين، مخلوقاته الأليفة.. حجر صغيرٌ أكبرُ من رصاصة، محفوظٌ في حفرة زجاجية تضيؤها لمبة خجولة.. و رأيت أيضاً شريحة من الحديد الذي تجمّد على مضض ممزوجاً بأحجار صفراء شفافة كأنها حجارة سجيل، قُطعت من لُب الأرض الملتهب.. و أخرى، شظيّة لنجم لولا أنه تفتت قبل اصطدامه بالأرض لانقرض البشر.. شظيّةٌ خُيّل إلي من كثرة التحديق فيها أنها رأس.. شعوري بالفرح لا يوصف و أنا أراه أمامي، اعترفت له أني ضعيف وجبان ولست أقوى على هجومه المباغت.. فهزّ رأسه و نام من جديد. و اكتشفت أنه لم يُعط في يدي من الأساطير ما يكفي لأدفع هذا الهجوم على القمر.. هل حقاً أنك كتلة صمّاء؟ ومشى أحدهم عليك و لم تُحرّك ساكناً.. كان يكفي لو أنك ألقيت تحت قدميه صورةً لقيس الأسطوري، أو لعاشقة انتفخت أعينها رمّانتين من الحزن وهي تنظر إليك.. اللعنة، لماذا صمت؟.

و تنتهي/ تبدأ القاعة بسؤال: هل هناك احتمال لوجود مخلوقات ذكية كالبشر في أيٍ من ملايين الكواكب حولنا؟ نحن مستمرون في مراقبة مجرتنا عبر ذبذبات الراديو منذ أكثر من قرن ، و لازلنا ننتظر.

كل هذا دفعةً واحدة! كثيرٌ على هذا الرأس الذي لم يعرف سوى الغبار.

(د)

الدينصورات: الاحتجاج بالانقراض.

هل وُجدوا فعلاً؟. كان هذا السؤال التي تستقبلك به قاعة الدينصورات، رغم غابة العظام المركّبة أمامك والتي استخرجتها الحفريات من باطن الأرض.. الأرض التي حفظت لنا بعض هياكل هذه المخلوقات الضخمة في حُفرٍ ساعدت عوامل الجو على تهيئتها لاختباء هذه الكنوز.

ريشة الحفّار التي أزاحت الرمل حبّة حبة عن هذه الهياكل.. و وجدت بضع طبعات لشكل الجلد، وبقايا أسنان و آثار أقدام و عظام متآكلة.. تلك الريشة رسمت في خيالنا مخلوقات تبدو الفيلة أمامها  عُرضةً للدهس.

ما أراه أمامي مخيف.. مخيف حقاً.. الدينصور الذي يستقبل الزوار في قاعته هائل، ولا أعرف هل هو يمثّل كل هذا السكون أم أنه سيجترح الحركة يوماً.. لو وضع هذا الهيكل بجانب بيتنا لكان رأسه أعلى من سطح البيت.. وبخطوة واحدة منه يجتاز أرضاً.. و لولا وجود الحيتان الزرقاء على قيد الحياة في مياه المحيطات لصعُب علينا تصديق ذلك. هناك دينصورات تسير على قدمين و أخرى على أربع و بعضها يطير، منها الضخم ومنها الصغير بحجم الانسان و أصغر.. و تم افتراض إنها انقرضت من اصطدام كويكب بكوكبنا فأثير غبار كثير حجب ضوء الشمس عن الوصول إلى الأرض سنين طويلة، فماتت.. وتم أيضاً افتراض أن نشاط البراكين كان مرتفعاً مما جعلها فخاخاً للحيوات.. و ما لم أكن أعرفه أن نهاية كل حقبة تاريخية من حقب الأرض يعني حدوث تغير في مناخها يودي بحياة الكثير من الكائنات للموت.. مثلاً حدث الانقراض المسمى بالموت العظيم قبل 251 مليون سنة و قضى على نحو 96% من انواع الحياة البحرية و 70% من الفقاريات و 100% بالنسبة للحشرات.. و أخذت الأرض تُشفى و تبني الحياة من جديد عبر ملايين السنين اللاحقة، وكان هذا شغلها بعد كل حدث انقراض.

بدأت الدينصورات حياتها منذ 230 مليون سنة، وانتهت قبل 65 مليون سنة.. و المُلهم حقاً  أنها لم تنقرض بالكامل.. إذ يعتبر العلماء ان كافة الطيور هي سليلة الدينصورات، إذ تتحدر من أب مشترك، دينصور طائر.. و إذ ذاك، فهي تشكل أكثر الحيوانات تنوعاً على وجه الأرض (صُنّف منها 500 نوع و بقي 1800 نوع غير رسمي بعد).

حياة الدينصورات مغامرة للإنسان قبلها هي، و أول كائن حي يسود الأرض و نجت من حوادث كونية كادت تودي بكوكبنا نفسه الى العدم.. شهدت انقسام القارة الوحيدة و الزلازل الماحقه التي باعدت أجزاءها الى قارات.. جزيرتنا العربية لم تكن موجودة و خرجت بفعل تلك الزلازل من البحر، كانت قاعا بكرا، لذلك يعتبر العلماء البحر الأحمر محيطاً.. تلك مخلوقات مميزة و متنوعة لكنها لم تكمل تكيفها لتعيش.. لا يحضرني تشبيه الان سوى قول أدونيس ان العرب سينقرضون ثقافيا ما لم يتكيفوا و يتجهوا للحياة.. و شهداء الربيع العربي كلهم يرفعون أياديهم في قبورهم الحزينة -إن بقي في أجسادهم أياد- شهودا على ذلك.. و سجناء حرية الرأي والتعبير في وطني يعرفون ذلك تماماً و من بينهم الأعزاء تركي الحمد و رائف بدوي، يعرفون أنه حتى الثقافات تنقرض بشكل أكثر تراجيدية و ألما من انقراض الأجساد.

و أنت أيضا لا تنقرض

أيها الأمل..

أعيش في عيني طفل غريب في ساحة المدرسة

لا أطلب كثيرا

يكفيني حذاء جديد واحد لأتعلم الرقص..

فرصة في بقعة ضوء

تسديدة ذهبية في شباك الفراغ..

و ان كان على الأرض ما يستحق الحياة

فذاك نحن

كائنات مريضة بالنطق و سرطان الكتابة..

يدي على قلبي

و أربي الخوف.

013 014 015 016 017 012 011 010 009 008 003 004 005 006 007 002

Advertisements