أشباح اللغة – Central Park

6/5/2013

في اللغة الإنجليزية كلماتٌ يُطلق عليها: الأشباح. الكلمة الشبح تُولد عن خطأ في طباعة الكلمة الأصلية في مُعجم لغوي ما، فإذا اكتُشفت بعد انتشار استخدامها و شيوعه، تُسحب من عالم الأشباح إلى عالم الألوان، و يُباح تنقُّلها على رؤوس الأقلام و شاشات اللمس.. أمّا إذا تمّ تصحيحها فوراً، فتُسافر الكلمة الشبح وتُمحى خُطاها للأبد.

أشباح اللغة.. ذلكم هم الشعراء..

لولا ذلك، لماذا قيل لأحدهم -ربما الذي يقرأ الآن- عندما سمع صوت بكاء، أنه يسير بجانب الشجرة الباكية.. شجرة تتهدل أغصانها الضعيفة خيوطاً تشبه خصلات الشعر أو خيوط دمع تتأرجح لأيادي النسمات الواهنة.. ولماذا أيضاً رأى أحدهم مايكل جاكسن يراقص الأموات في مقبرة أنيقة مليئة بأزهار التولِب، وكان القمر عازف ثمل؟. أمّا تمثال كولمبوس الواقف في الساحة، فقد قام بعرقلته دون أن ينتبه أحد، كان ساعد كولمبوس مشدوداً و إصبعه تٌشير جهة أمريكا -و قد ظنّها الهند- فصارت إصبعه تشير ناحية صدره، أو هكذا توهّم.

الشبح، عندما كتب في موقع خرائط جووجل: حديقة منهاتن المركزية، أشارت له إصبع رقمية إلى مستطيل أخضر تتوسطه بحيرة واسعة..فأخذني الشبح برفقته الى هناك، حديقة نجت من كل الحروب الأمريكية و وحشية البشر حتى روّضتهم حولها و صارت الموقع الأكثر تصويراً في العالم (صوّر فيها أكثر من 305 فيلم).

زُرعت  الحديقة في البدء و حُفرت لجذب مياه النهر المُحيط بمنهاتن مثل قلادة، و توزيع تلك المياه على مباني منهاتن بقوّة الجاذبية الأرضية وحدها.. عبقريّة الهندسة تجلّت قبل أن تأخذ الحديقة قيمتها الرومانسية بفناني البناء والنحت والزراعة.

تحتاج للسير في الحديقة إلى خريطة، و إلا ستضيع كما ضاع قوم موسى.. أو ستسير بجوارك أزهار  التولب بكافة ألوانها و الورود العطرية لتدلك على الطريق.. لكن الهدف هناك هو ان تضيع.. أنت الآن في غابة، الأشجار مخيفة في علوها و تجاورها حتى أنك لا تستطيع أن تحضن  جذع أحدها بشكل كامل، وفروعها تتشابك فوق رأسك كأنها انقضاض المخلب، كأنها ساحرات حنطن أنفسهن وسط المدينة ليحرسنها، وابتكرن بلعنتهن الخارقة كُل هذا..السناجب في كل مكان، والطيور الحمراء حُمرة الشفاه و الدم،  لفتت نظري من بين 250 نوع من الطيور المرتعشة في سماء الحديقة و نهيراتها، لا أجد للونها تفسيراً سوى أنها خرجت من الجزء المسمّى بإسم شكسبير في الحديقة.

في مقعد شكسبير، تحدثت قليلاً مع هاملت مزهوّاً بشعراء وطني، حدثته عنهم واحداً واحداً، استذكرت وناجيت وعاتبت حتى ذُهل هاملت نفسه وقال: خُذني إليهم.

بادِليني القــُبــَل.. هذا ما قلته عندما وقفت على جسر العشّاق الحجري في الحديقة، أحجاره هائلة و متحاضنة وكان المطر الخفيف قد كشف عن عروق خضراء رفيعة و مُذهلة، كأن لجبال العالم قلباً و قد جُلب هذا القلب هنا وصُنع هذا الجسر.. و رغم أن الحديقة مليئة بالجسور المصنوعة حواجزها بفنون خشبية رفيعة الذوق.. إلا أن جسر العشاق ينهمر حُباً ودفئاً غريباً في جانب البحيرة الواسعة.

البُحيرة مرآةٌ لمباني منهاتن العملاقة، يُخيّلُ لي أن المباني تُجدّل شعرها في الفجر ناظرةً لها، وإن المباني مثل النساء.. كُلّما أضاف المعماري لها تفصيلاً جميلاً، اقتحرت تفصيلاً آخر في جسدٍ لا ينتهي من الفتنة.

ملاعب غولف لا نهائية، تلّة التوت الحمراء بالكامل، القلعة التاريخية المنتصبة كالشيخ الذي يحكي، طُرُق مرصوفة بعناية لممارسة رياضات المشي والجري وقيادة الدرّاجات.. مقاعد الحديقة التي لحقتنا قبل خروجنا وقالت: سأتذكر ما قلته للتماثيل سرّاً.

على أعمدة الإنارة و المقاعد واللوحات المعلقة أسماء كل من ساهموا في إنشاء الحديقة أو سَعَوا للمطالبة بتطويرها.. تماثيلٌ لشخصيات بارزة في تاريخ نيويورك ونصب تذكارية لجنود الجيوش الأمريكية.. مدينة تتذكر من بنوها و من قُتلوا في سبيلها في درس عميق و صادق و مُلهم.. ولا وجود للغة العربية في الكُتيّبات الموزعة على الزوار و اللوحات الإرشادية رغم وجود اكثر من خمسة لغات غير الانجليزية.. ولا حرف واحد.

بعد هذه الملاحظة التي أدخلتني في جنازة هائلة بلا جُثّة، وجدت أمامي مبنى قناة السي إن إن، و يتربع أمامها تماماً مجسّم الكرة الأرضية الفضي المشهور في أغلب نشرات الأخبار.. في هذا المبنى -أيتها التماثيل المجاورة-  يُصنع الكثير في منطقتي، تٌسلّط صورةٌ على قاتل و تُفبرك ليُصبح مقتولاً أو العكس.. تلك النوافذ الناصعة حريٌّ بها أن تُكسى بما يُشبه الإسفلت، وهي سبب آخر لاختفاء لغتي من هذه الحديقة.. و ما لا يعرفه الكثيرون أنه بالإضافة لتمثال الحرية الذي يستقبل السفن القادمة ناحيته، يقابله تماماً تمثال ضخم لصقر مخيف بأنياب طويلة ومنقار مسنون يوشك ان ينقض على البحر، إنه تعويذتهم ورمز قوتهم.. هذا مكان تجد فيه التناقضات رحابة و سعة للسير بجوار بعضها البعض دون وجل.

بعد ان استلقيت على ظهري في المساحة العشبية الواسعة المخصصة للجلوس فقط، مع آلاف العوائل والضحكات، هناك من يعزف الموسيقى وهناك من يلاعب اطفاله، العشاق يتعانقون و أفراد يقرؤون كتباً في الهواء الطلق.. أنهيت زيارتي للحديقة بالعبور على جزء منها سُمي بإسم فرقة الـ”بيتلز” التي غيّرت تاريخ غناء البوب في العالم، حيث قُتل أحد أفرادها في فندق مُطل على الحديقة.. لهذا يجيء عازفوا نيويورك ومغنوها لهذه البقعة و يبعثون طوال الليل أغانٍ يحبونها للفرقة.. هل من جمال أبهى؟.

خمسة رصاصات في بكرة مسدس ماجنوم

عَبَرتُ بجانب الشرطي و لم أنظُر لعينيه..

مَن الشبح فينا؟

فليُجبني أحد في هذا العالم

إن كان فيه أحد.

 

NYC_Central_Park_ReservoirBethesda_fountain_and_the_terrace,_Central_Park,_NYC  DSC_0157 central-park1 central-park 123

Advertisements